المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تمارين للدماغ وتحسين الذاكرة...


nisrina
08-01-2007, 03:37 AM
إذا كنتم تشكون من ضعف الذاكرة أو أن ذاكرتكم لم تعد كالسابق، أليوم بالإمكان حل هذه المشكلة. فقد أفادت دراسة أمريكية انه بإمكان الإنسان السيطرة على الذاكرة وجعلها اكثر حدة وذلك في أي مرحلة من مراحل العمر. أما أهم التمارين فهي كما يلي:


التركيز: الاهتمام والاستماع للتفاصيل والتركيز في دقائق الأمور يساعدكم في التذكر.

التكرار: كلما أردتم تذكر شيء قوموا بتكراره في داخلكم، هذا الأمر يجعل ما تريدون تذكرة ينطبع في ذاكرتكم وتصبح عملية تذكرة اسهل.

الكتابة: كلما كتبتم اكثر كلما كان تذكركم للمعلومات أسرع واسهل.

الألعاب الذهنية: مثل حل الكلمات المتقاطعة وغيرها من الألعاب تحفز الدماغ.

تعلم أشياء جديدة: حاولوا ممارسة هوايات جديدة فتعلم أي شيء جديد يحفز من قدرة الدماغ ليعطي المزيد، حاولوا مثلا تعلم لغة جديدة فهذه الطريقة سترفع من قدرات الدماغ و تنشط الذاكرة.

اتبعوا نظاما معينا: حاولوا دائما الاحتفاظ بروزنامة إلى جانبكم وقوموا بتفقدها باستمرار، وعيكم بالتاريخ ومسير الأيام ينشط من قدرة دماغك على التذكر وعلى التعامل مع الأرقام.

تناولوا الأطعمة المغذية للذاكرة: هناك العديد من المأكولات المنشطة للذاكرة مثل الفواكه والخضراوات بالإضافة إلى الحبوب.

الاستماع للموسيقى: الاستماع للموسيقى الهادئة ينعش الدماغ.

ممارسة التمارين الرياضية: ممارسة التمارين الرياضية بشكل يومي يرفع من نسبة الأكسجين في الدم مما يعني وصول كمية اكبر من الأكسجين إلى الدماغ.

نسل الصقر
08-01-2007, 07:24 AM
مشكورررررررررررررررره نسرينا على الموضوع

شموخ النخيل
09-01-2007, 11:23 AM
يسلمووووووووووووو نسرينا موضوع جميل ومفيد يعطيكي العافيه عزيزتي

0000000000
14-06-2007, 09:57 PM
مشور بس انا ما ادري انت بنت ولى ولد

0000000000
14-06-2007, 10:02 PM
مرة مشكورة مرة عجبني الموضوع
انا بنت

0000000000
14-06-2007, 10:56 PM
مشكورة

0000000000
14-06-2007, 11:17 PM
كونشرتو الكلمات» الإصدار الأول للشاعر عبد الله العريمي، ويحتوي الديوان على عشرين قصيدة تختلف من حيث الطول والتكثيف الشعري والإيقاع الموسيقي اختلافا ملموسا.

أولا المستوى الدلالي:

للنص عند عبدالله مستويات دلالية عديدة، ولعل قصيدته المتميزة في الديوان (مشاهد) تعطينا إشارة ما عن ذلك، حينما قال: (أطلُّ على صُور/ وهي تصحح للأركلوجيا/ كلامَ القبائل في معبدٍ منهك) والأركلوجيا هو مصطلح جيولوجي في علم الطبقات يحدد مستوى الطبقات، وقد أخذت الدراسات النقدية هذا المصطلح ووظفته لتحديد مستويات طبقات النص الإبداعي، مما يوحي لنا منذ البدء بان الشاعر واعٍ مطلع على الحديث في مجاله، وقد وظف ذلك الوعي توظيفا فنيا موفقا، وترتكز الرؤية الشعرية في الديوان على بعد واحد هو الحب المتناهي. فالديوان كأنه قصيدة واحدة تتكلم عن معشوقة غائمة غير واضحة الملامح، هذه الحبيبة قد تكون هي القصيدة المعشوقة الحلم أو هي المرأة المعشوقة المشتهاة أو الأم الحبيبة أو الأرض المعشوقة عشقا أسطوريا أو كل ذلك مجتمعا، لكننا نلمح أن هذه التفريعات تتضام لتشكل بعدا رئيسيا، يسلط عليه الشاعر الضوء المركز عبر تجربته الشعرية كلها، ويتمحور هذا البعد حول الشعر أو القصيدة المعشوقة، ليصبح عشق الشعر هو مرتكز الرؤية الأساسي، ونرى في العريمي ذلك الشاعر المهموم والمسكون المتلبس بالشعر والشاعرية، ومن ثم فالشاعر- في رؤية عبد الله- هو ما زال صلة السماء بالأرض يكمل النفحة الجمالية التي بثها الخالق في الوجود وهو شاهد عصره بل ومكلَّف بالتغيير، ولهذا تكثر مفردات النبوة والتنبؤ والمتنبي والرسول عبر النصوص، كما نجد في الديوان أكثر من قصيدة عن الشاعر محمود درويش إهداء صريحا أو ضمنيا وفيه قصيدة بعنوان (قافية للمفترق الأخير) لعلها توحي بالترميز إلى نزار قباني، وفيه قصيدة مهداة إلى صديقه الشاعر المرحوم عبدالله السناني، وهناك مشاهدة للمتنبي وتضمين لأبي العلاء، وتوظيف للشاعر الإغريقي (هومير). أما مفردات الشعر والقصيدة والكلام والحروف والكتابة والإيقاع واللحن فهي أكثر مما يحصى عبر الديوان جملة كما يخدم الغلاف والعنوان (كونشرتو الكلمات) الغرض نفسه، والكونشرتو هو اللحن والجهد، وهما مع الكلمات مرتكزات القصيدة. كما أن افتتاح الديوان بنص مساء المتمحور حول عشق القصيدة يتكامل مع رؤية التجربة الشعرية، وبناء على كل ما تقدم نجد لنصوص عبدالله في الشعر عدة مستويات دلالية - كما ذكرت - فإذا أخذنا القصيدة الأولى نموذجا تطبيقيا نجد الشاعر يقول: (مساء تكونين أكثرَ عشبا/ وأكثر خصبا/ ويصبح للماء ألفُ احتمال/ لنمشي إلى الحب خمسَ دقائقَ أخرى/ فإني مددت ظلاليَ عشرينَ عاماً) إن هذه القصيدة بعنوان مساء وهي من حيث الدلالة والمضمون تعطيك أربعة مستويات تجعلك تتساءل هل أراد الشاعر أن يصف الأرض المدينة (صُور) أو الحبيبة المرأة المعشوقة أو الحبيبة الأم أو القصيدة الحلم، وتنداح مفردات القصيدة لتعطيك ما شئت من دلالات وتنفتح أمامك بلا حدود، ولأن النص الحديث نص ملغز مربك ومشفر، فهو لا يعطيك نفسه من أول قراءة ولا بد من تكرار القراءات والبحث عن مفاتيح النص أو إضاءته من خلال النص نفسه بدءاً بالعنوان وانتهاء بآخر كلمة في القصيدة، والعنوان لدى العريمي نادرا ما يشكل مفتاحا أو إضاءة مركزة نستطيع بها كشف الرؤية الفنية،إلا عندما يكون النص مشفوعا بإهداء واضح مثل نص إلى أمي أو إلى محمود درويش، ويبقي السؤال قائما، أين يضع العريمي مفتاح القصيدة إذن ؟ يبث عبدالله الإضاءات العديدة خلال النص ويمنحنا أكثر من مفتاح لنستدل، حتى لا ينغلق النص على القارئ وندخل في دوامة الغموض الذميم المتكلف المعتم، ومن خلال أكثر من إضاءة نعرف أن معشوقة الشاعر في نص مساء هي (القصيدة) إنه عاشق للشعر فما هي مفاتيح هذه الدلالة من خلال النص،يقول الشاعر: (لأكتب برقك فوق البحار)- هنا برق وكتابة ونلاحظ ارتباط البرق بالسماء وهي مصدر الوحي الشعري والإلهام أو مصدر الموهبة وارتباط الكتابة بالشعر أيضا- ويقول: (ترفع عرش الكلام/ وتفلت منها إيماءة شِعر) وهنا يرفع لها عرش الكلام لا أي كلام، وهنا إيماءة شِعر فهل تعني الإيماءة الومضة الأولى للقصيدة ؟ ربما، ويقول(ربما تقربني من أقاصي الكلام) نلاحظ ارتباط الشعر بفن القول والكلام.

ويقول (فكيف أبرر هذي الأغاني التي تجهشين بها) نلاحظ إشارة الأغاني وللشعر موسيقى وحداء وغناء ومعاناة تولد الحزن (تجهشين)، ويقول: (ومدي إلى حروف الكتابة من شفتيك مواويل شمس) إشارات أخرى تتمثل في الحروف والكتابة والشفتين مصدر القول (من شفتيك) والمواويل الغناء موسيقى الشعر، ويقول (وحتى ألمك كلك بالشِعر/ من قمة الرأس للقدمين/ أحاول ترميم هذا التشتت/ رغم اقتناعي/ بأن التماسك صعب/ وأنت تمرين/ بين عروق اليدين) هنا لفظ صريح للشعر والقصيد (ألمك كلك بالشعر) وهنا ترميم التمزق والتشتت ويرمز بذلك إلى معاناة الشاعر ساعة الخلق وولادة القصيدة، وهنا (مرور بين عروق اليدين) ولماذا اليدان دون سائر أعضاء الجسد ؟ لأن اليدين هما وسيلة الكتابة. ولاشك أنها مفاتيح كافية لإضاءة النص بشكل فني واعٍ دون الوضوح المخل لفنية العمل الإبداعي.

والجيد في هذه التجربة تلاحم خيوط الرؤيا في نسيج متجانس فربما نجد إضاءة في آخر الديوان تضيء لنا ما جاء في نص متقدم كما على سبيل المثال قول الشاعر في ص72 في المشهد الثامن من قصيدة مشاهد واصفا القصيدة أيضا دون أن يصرح بذلك: (أطلُّ على طفلة من حِوار السماء مع الليل/ تنذر ضحكتَها للبذار/ تنام فتلتحفُ الوحي والقافية/ فما حاجتي للقصيدة/ عند انكسار النهار) ألا تتراسل دلالات هذه القصيدة مع مضمون قصيدة مساء السابقة، التي وردت في (ص٥) حيث الوقت الذي تتحاور فيه الطفلة ويقصد بها (القصيدة المولودة البكر) من حوار السماء مع الليل، وهو الوقت المثالي لكتابة القصيدة، فتنذر جمالها(ضحكتها) للبذار للخصب ثم تلتحف الوحي والقافية تأتي مرتدية الكلمات (الوحي) والإيقاع الموسيقي (القافية).

ثانيا: التقنيات والظواهر الفنية:

لعلنا لا نتجاوز الصواب إذا قلنا أن أبرز ما في هذا الديوان هو لغته ذات النسق والأساليب الحديثة وصوره المستجدة الممهورة ببصمة صاحبها أي أنها صور في غالبيتها من ابتكار ذهنية الشاعر لم يسبق أن لاكتها ألسنة الشعراء من قبل، فهي بذلك ليست تقليدية ولا نمطية مستهلكة بل حداثية بكل ما تحمله إشعاعات هذا المصطلح.

فالعريمي كما أراه من خلال نصه الإبداعي شاعر مجدد لغة وتصويرا، وهو مبدأ اعتمده وسار عليه ففي (ص57) يقول:

(لابد من لغة تملي إرادتها.. لابد من سفر لا يعرف التعبا) أي لابد من أن يجهد المبدع نفسه لابتكار الجديد في مجاله، ولا يركن لسهولة التلقي، وسنعرف أن جذر كلمة كونشرتو باللاتينية يعني بذل الجهد في أحد وجوهه. والسؤال كيف استطاع الشاعر أن يكون مجددا في إبداعه رغم الكم التراكمي التراثي الضخم لهذه الأمة في هذا الجنس الإبداعي بالذات (الشعر) الأمر الذي جعل الشاعر الجاهلي القديم يصرخ: (هل غادر الشعراء من متردم)، أي هل ترك الشاعر القديم للجديد شيئا يضيفه ويجدد من خلاله.

وللإجابة على السؤال السابق أقول: لقد استخدم عبدالله ما يعرف بحيل الشعراء.. ليحدث نصه ويجدده ويتجاوز نمطية الموروث والأساليب المستهلكة، علما بأنه شاعر ملتزم بالتراث فهو مجدد من خلال إرثه أي أنه غير منبت الصلة بموروثه، إذن كيف تحايل علينا الشاعر ؟ لقد لجأ إلى استخدام عدة تكنيكات لغوية أسلوبية وعدة ظواهر فنية من أجل أن يجدد الأساليب والصور، وهي تكنيكات وظواهر أخذت تشيع في النص الشعري المعاصر بشكل عام مع اختلاف فنية التوظيف وجودته من شاعر إلى آخر، فما هي هذه التقنيات..

(١) - كسر العلاقات في النسق اللغوي: وأعني بهذا كسر المألوف من العلاقة بين المسند والمسند إليه ونماذج هذا أكثر من أن نحصيها في الديوان فحينما يقول الشاعر:(ياسر التكوين/ ومذاق القمر المزروع سفرجلة) فان مفردة مذاق المسندة إلى القمر لا علاقة بينهما وحينما نسند القمر إلى المزروع سفرجلة أيضا نجد العلاقات منتفية ومفككة، وحينما يقول (فشبَّ نخاع الكلام الموشح بالبن) لا علاقة بين المسند شب وبين نخاع المسند إليه ولا بين النخاع والكلام ولا بين الموشح والبن، وحينما يقول (لنفتح أصواتنا طرقا) نلاحظ أن النسق اللغوي مفكك العلائق مما يؤدي إلى كسر المألوف والمعتاد من التراكيب قي ذهنية القارئ. ويقول) وأهديت النخيل الواقفات على نجوم الليل رائحة الكلام) ويقول (فصارت مقاماتُ صوتي/ حوافرَ خيل تدق زجاج السماء) إن هذه العلاقات المتباعدة المنبتة الصلة بين مقامات الصوت وحوافر الخيل وزجاج السماء) هي التي ولدتْ الدهشة والجدة والطزاجة في الإسلوب ومن ثم المتعة الفنية.

٢ - التضاد المولِّد للمفارقة: وعادة ما تكون المفارقة ساخرة مؤلمة يقول الشاعر: من قصيدة على باب مسقط (ومسقط نائمة في هدوء/ ومسقط شاهدة.. شاهدة) إن تكرار مفرد شاهدة هو تكريس لليقظة والتنبه لكن مسقط نائمة في هدوء فمن أين لها ذلك التيقظ لتكون شاهدة على ما يجري شهادة مؤكدة ؟- ويقول في تضاد بين حالتين وليس مفردتين مجسما صورة متضادة الملامح من خلال تقابل هاتين الحالتين: (هناك حيث يدرب الأمواتُ أنفسهم/ ليمشوا في القصيدة ضاحكين/ يضيئهم قلقُ العصافير الصغيرة/ وهي تحترف الغناء/ وتضيئني لغتي/ ليحترق المساء) نجد حالتين أحداهما تمثل الفلسطيني وشعر المقاومة وأطفال الحجارة (يضيئهم قلق العصافير الصغيرة) والثانية حالة معاناة الشاعر وهو يولد القصيدة يستضيء بها ويحرق المساء. وتخدم العبارات كلها التضاد مولدة المفارقة.

٣ - انحراف الدلالة في التماثل الصوتي: وهذا الانحراف قد تتعرض له المفردة أو الجملة إذ ينحرف المعنى عن معنى مماثل ومعروف ماثل في ذهنية القارئ ويؤدي هذا إلى كسر التوقع ومن ثم الدهشة والانتباه، وهو لا يشكل ظاهرة بارزة عند عبدالله لكنه موجود كبدايات: يقول الشاعر في (ص٨):

(لا تسبحوا في بن قهوتنا/ ولا تتكاثروا في مدخل الموت الحرام) ويقول: (ولكم دهنتُ بزيت شِعري أنجما) ويقول في (ص٣٣) (ها أنت توقظ سرب الفراشات في الحاضر المتمعدن) طبعا من الواضح أن التوقع كان لا تتكاثروا في مدخل البيت الحرام، ولكم دهنت بزيت شَعري، وفي الحاضر المتمدن لكن الشاعر كسر التوقع هذا حينما انحرف بالتركيب مولدا دلالة أخرى ففي الأولى يقصد بالموت الحرام موت الفلسطيني بلا سبب وفي الثانية قصد تلميع الجمال المتمثل في النجوم بزيت شِعره، وفي الثالث قصد بالفعل العالم المتمعدن فهي الصفة التي أصبحت أكثر ملائمة لصفة العصر التكنولوجي القائم على الحديد والصلب والقوة الحديدية، إذن هو فعلا متمعدن لا متمدن.

٤ - تراسل الحواس: وهي ظاهرة تعني استخدام مدركات حاسة لحاسة أخرى، فالعين تشرب والأذن تتذوق والفم يسمع...الخ وهي ظاهرة تؤدي إلى تشكيل صور جديدة غير مستهلكة ونماذج هذه الظاهرة كثيرة جدا في الديوان كثرة تجعلها ظاهرة من ظواهر شعر العريمي.

يقول الشاعر: (صباحك نورستان/ تطيران بالأرض/ تغتسلان بما سال من ضوء صوتك/ حين يدحرج خلفي قافلة من دعاء) لاشك بأن هذه الصورة مبتكرة وخاصة بصاحبها والتراسل هنا قد أسهم بدور كبير في توليدها، فالصوت هنا وهو من مدركات السمع يسيل ويصبح من مدركات البصر، والدعاء وهو من مدركات السمع يدحرج في قافلة فيصبح من مدركات البصر، ويقول (صباحك أغنية من حليب وسكر) فالأغنية مدرك سمعي والحليب والسكر مدرك تذوقي، وحينما يقول أهديتُ النخيل رائحة الكلام،نلاحظ أن هناك تراسلا بين البصري النخيل والسمعي الكلام والشمي الرائحة وهذا التراسل هو الذي يولد صورا مدهشة جديدة.

٥ - توظيف التراث: إن الشاعر رغم حداثة رؤيته ولغته وصوره مهتم بتراثه، وثيق الصلة به، وهو قارئ جيد لتراثه وللتراث الإنساني على وجه العموم، ومن ثم استطاع أن يهضمه ويستلهمه في نتاجه ولاشك أن التراث منجم لا تنضب كنوزه أمام الشاعر، وفي قصيدة كونشرتو الأرض ويقصد بالأرض فلسطين يملأ العريمي هذه القصيدة بالذات بكثير من الإسقاطات التراثية، لعله نوع من التأكيد على هوية هذه الأرض وتجذر انتمائها العروبي، يقول الشاعر:

(كم من غراب سوف تحتاج الحقيقة/ كي تواري سوءة النسيان..؟-) واضح هنا الاستلهام القرآني لحادثة ابني آدم هابيل وقابيل.

ويقول (كم من هدهد نحتاج كي نلقي التحية/ حول نافذة البكاء المرّ) وهو توظيف قرآني آخر لحكاية هدهد سليمان مع بلقيس ويقول (من لم يمت بالسيف/ مات بلعبة التاريخ في تلموده).

هنا توظيف لمقولة المتنبي من لم يمت بالسيف مات بغيره/ تعددت الأسباب والموت واحد) ولكن الشاعر انحرف بالسياق ووظفه وفقا لرؤيته المعاصرة، ويقول:

(ماتت نواطيرٌ بمصر../ ولم يزل من يومها/ يذوي على كفي نبي أو مدن) موظفا مقولة المتنبي (نامتْ نواطير مصر عن ثعالبها) في إشارة إلى تدهور الموقف العربي منذ انشقاق مصر عن وحدة الصف بمعاهدة كامب ديفيد، ويقول: (وسيناء التي قد انبتتْ من تيهها طرقا لتعبر منها أسفارُ المراثي/ وهي راحلةٌ إلى ما لست أدري من حدود الماء/ تجرحني/ ويجرحني الزمن) في إشارة إلى التيه اليهودي وأسفارهم وبكائياتهم على ضياع حدود الدولة اليهودية من الماء إلى الماء كما يزعمون، ويقول(قد علقوا كنعانَ فوق الرمح/ كي يجدوا هويتهم/ فلم نبصر عباءتهم تجر الأرض من أرواحنا) في إشارة إلى ما فعله اليهود بالفلسطينيين أحفاد كنعان كي يحيوا هويتهم لكن أرواحنا المتجذرة بالأرض لن يجرها ذلك المدّ اليهودي، ثم يقول(فليمتحني الموج إني قد كسرتُ جرارَ أغنيتي/ وكسرت ألواح الوصايا/ كي أعودَ إلى دمي/) وهي أشارة واضحة إلى إصرار الفلسطيني على استعادة أرضه ضاربا بعرض الحائط بأكاذيب اليهود حول وصايا التوراة بأسطورة أرض الميعاد. إن هذا التوظيف التراثي الحر للأساطير والنصوص القرآنية والتوراتية والشعرية هو مجال رحب لخلق صور جديدة معاصرة تربط مابين الحدث القديم والمعاصر وفق رؤية معاصرة.

ثالثا: الموسيقى:

رغم سعي الشاعر الحثيث للتجديد لغة وتصويرا ورؤى إلا انه منضبط إيقاعيا إلى أقصى الحدود، وهو لا يرغب بل ويستنكر المس بإيقاع القصيدة، فالموسيقي عند عبدالله عنصر رئيسي من عناصر الشعر، وللشاعر رؤيته الخاصة في ذلك، ومن هنا جاء ذلك الربط الشديد بين الأغنية واللحن والكلمات منذ عنوان الغلاف (كونشرتو الكلمات)، والكونشرتو هي مؤلفة موسيقية وضعت لآله أو لعدة آلات مرافقة الفرقة الموسيقية وتقوم الآلات بالدور الرئيسي إما الفرقة فتكون مرافقة فقط، وجاءت من الكلمة اللاتينية وتعني بذل الجهد، كما خدمت لوحة الغلاف ذلك التوجه جيدا حيث بلورت الخط العربي والحروف التي تشكل الكلمات والوحدات الموسيقية للسلم الموسيقي وكذلك فعل العنوان حيث ارتبط الكونشرتو وهو اللحن الموسيقي بالكلمات وما يهمنا هو هل استطاع الشاعر أن يوظف تلك الرؤية توظيفا فنيا موفقا ؟ للإجابة على هذا السؤال نقرأ قصيدة مشاهد التي شحنها الشاعر بتأملاته وبصرخة احتجاج أحيانا لكل ما يرفضه الشاعر من مشاهدات مرفوضة لديه، وقد وزع كل مشاهدة في لوحة مجسدا صورا فنية مختلفة المواقف والمضامين، والمشهد الذي يخدم الغرض هنا هو المشاهدة العاشرة التي يقول فيها الشاعر: (أطلُّ على عرب/ يشنقون أبا الطيب المتنبي/ على جسد امرأة من غبار/ يبولون فوق أعالي اللغة/ ويصطنعون مقاعد خالية للهزيمة/ يبتلعون حبوبا مصادرة للحلم/ يبيعون (ذي قار) في جلسة للطرب/ ويحترفون الفرار) إن إشارات النص تتمثل في شنق أبي الطيب المتنبي وهذا يعني إعدام التراث الشعري العربي في أهم رمز من رموزه وهو المتنبي، الترميز الثاني على جسد امرأة من غبار أي في سبيل زوبعة عابره كالغبار، الترميز الثالث: يبولون فوق أعالي اللغة، ويبتلعون حبوبا مصادرة للحلم، إذن هناك من يحتقر اللغة ويسيء إلى تاجها وهو الشعر(أعالي اللغة) بفعل شائن (التبول) ويصادر الحلم من الشاعر، وقد عرفنا أن حلم العريمي وعشقه هو الشعر والارتقاء به والإشارة الرابعة يبيعون (ذي قار) في جلسة للطرب أي يبيعون عروبتهم المتمثلة في غزوة ذي قار ولماذا (ذي قار)؟ لأنها معركة من أعظم أيام العرب وهو أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم، فهل يبيع أولئك انتماءهم العروبي ويبيعون أفضل تراث العرب وانتصارهم (الشعر) ليشتروا ولاء أعاجم اليوم، من أجل الحصول على مغنم ما ؟ (في جلسة للطرب) لقد رد الشاعر على هؤلاء المحتقرين لتراثهم، بالتمسك الشديد بالإيقاع العروضي بل وأخذ يجدد من خلال البناء التقليدي للقصيدة العمودية،ومن خلال بحور شبه مهجورة حاليا من معظم شعراء التفعيلة، للتأكيد على رؤيته الخاصة يقول الشاعر في (ص٢٥) من قصيدة مخطط لإغواء امرأة:

(إن مرَّ وجهُكِ مبتلا بأغنية /

أنفاسُ مزرعة تجري بتفكيري

مذ جئت عينيك هل زارتْ مدائنها/

غيرُ النجوم وأسرابُ العصافير

نسيتُ هل أصدأ الأحلامَ غاليتي/

غيابُك المرُّ أم وهم المقادير..؟-

أنا أحبك يا عصفورة خمشتْ

وجه الظلام فسالتْ قطرتا نور)

لاشك أن هذه اللغة هي لغة عالية في سقفها الشعري، مدهشة التصوير حديثة التراكيب، ترى هل أراد العريمي أن يقول لنا نستطيع أن نجدد من خلال التمسك بالهوية والتراث دون أن نشنقه ونتبول عليه ونحتقر من أسهموا فيه وأبدعوا وتفردوا كالمتنبي والفراهيدي ومن هنا اختار عبدالله بحر البسيط ليجدد من خلاله وهو بحر مركب التفاعيل، بل أنه قد استخدم بحرا كان البحر المفضل لدى القدماء وأصبح في الشعر المعاصر شبه مهجور، وهو الطويل..

وإذا عملنا إحصائية للبحور المستخدمة لدى العريمي سنجدها على النحو التالي: متقارب عدد عشر قصائد، الكامل خمس قصائد البسيط ثلاث،الطويل واحدة،المتدارك واحدة، إذن البحر الأثير لدى الشاعر هو المتقارب وتفعيلته (فعولن) إذ أخذ نصف قصائد الديوان وهذا ليس بغريب فهو بحر متدفق اللحن ثري الإيقاع، والغريب أن يهجر بحرا يعتبر الأثير والمفضل في الشعر المعاصر لما فيه من رخص وعلل تقربه من النثرية وهو المتدارك، لكن هذا ليس بغريب، بل تقصده الشاعر إمعانا بالتمسك بصرامة الخليل العروضية.

وأعتقد أن سبب تخصيص (هومير) بالذكر من شعراء الإغريق لأن هومير شاعر أعمى، لكن شعره بصري جدا، يقول (أوسكار وايلد) إن الإغريق أدعوا بأن هومير أعمى للتأكيد على أن الشعر لابد أن يكون سمعيا وليس صوريا، ومن هنا جاءت مقولة (فرلين) والرمزية المعاصرة لوايلد (الموسيقى قبل كل شيء). وأعتقد أن عبدالله من أنصار هذا الرأي بامتياز ولنفس هذا السبب تم استدعاء أبي العلاء المعري رهين المحبسين.

الخلاصة: أن هذا الديوان يقول لك إن الشعر شعر وهو موجود في كافة الأشكال عمودي او تفعيلة، إذا صدق الجهد والموهبة، لكننا لا نستطيع أن نغادر هذا الديوان المتميز دون أن نسجل بعض الملاحظات حوله وأهمها ما يلي:

١ -اختفاء ملامح البيئة المكانية:

ففيه لم نلمح خصائص البيئة العمانية ولا ملامح الخليج وحتى قصيدة على بوابة مسقط لم أجد ملمحا واحدا من ملامح مسقط المميزة جغرافيا وتاريخيا، وكذلك الأمر بالنسبة لقصيدة زرقاء التي قصد بها مدينته صور إذ لولا ثلاث مفردات فقط وردت عرضية وهي البحر وهياكل المحار والأخشاب لصلحت القصيدة لمخاطبة أي معشوقة، والمقابل لهذا كثرة الملامح المكانية لبيئة الشام ومفردات هذه البيئة مثل تكرار مفردات مثل (زهرة اللوز، حنطة، الليلك، الزعتر البلدي، أدوزن، صنوبرة، الشحارير، غابات أرز، جوز، الشآم، واختفت أشجار مثل السدر السمر الغاف النخيل.. الخ وهي التي يعايشها عبدالله كل يوم كما استخدم عبدالله نفس الأشهر العربية المستخدمة في بيئات الشام مثل (أيار وأيلول وحزيران..الخ) ويبرر هذا انبهاره بشعر محمود درويش ونزار وحداثة التجربة، إذ ما زال الشاعر يدور في فلك الأساتذة الكبار منبهرا ومقلدا لهم مما يفسر كثير من العبارات النزارية وعبارات درويش مثل قول عبدالله: (وجند أبيك تدس مكان القصيدة جرحا/ تفتش عن صوت فيروز فينا في حزن شاعر/ وعن بيت شعر لمحمود درويش/ كنا نعلقه فوق ساعد هذا الزمان/ ونشهد كل العواصم/ إنك خاتمة للنساء/ المدن)

٢ - الأساليب المستهلكة:

هذه ملاحظة هي محصلة منطقية للملاحظة السابقة فلدى عبدالله بعض العبارات التي كثر استهلاكها من الشعراء ولكنها لرغبة الشاعر في التجديد ووعيه واجتهاده نجدها قليلة، وهي قد تفلت من اللاوعي من مخزونه القرائي. مثلا نسمع صوت نزار في قوله من (ص46) (فكيف اختصرت بموعد شاي جميع النساء) وفي (ص37) (إني برئت من الظنون وراعني/ أني خلقتك من لهيب أصابعي) وهذا يذكرنا بقول كامل الشناوي: فلقد صنعتك من هواي ومن الجنون/ ولقد برئت من الهوى ومن الجنون، وقوله: (أشياء موت كلها كانت تسافر في دمي) وهذه كاف سعيد عقل التي ادخلها كنوع من التجديد على الأفعال لتقوم مكان اسم الموصول، وقد استهلكت من شعراء الستينيات والسبعينيات كذلك قوله نحو(آخر صفي نخيل أو يا آخر الشعراء، أو يجيئون من آخر الأرض. أو قوله انكسار المرايا وهي تركيبات مستهلكة كثر استخدامها لدى غيره وهذا عكس ما مرّ بنا في قوله(فصارتْ مقامات صوتي/ حوافر خيل تدق زجاج السماء)، وللحق هي عبارات نادرة ولا تشكل ظاهرة لافتة في الديوان.

٣ - تكرار الأساليب:

أوما يسمى بفقر التراكيب وهي أحد عيوب شعر نزار وتتلبس عبدالله عندما يكون مرتديا العباءة النزارية وإن كان سريعا ما يخرج منها بمجرد ما ينتبه لوعيه ونموذج ذلك قوله: فكيف تركتنا نبكي حديثا/... وكيف تركتنا نرتد جرحا/وكيف تركتنا في الريح نهذي/ وكيف تركتها ألما يطول.

إن الجملة المتكونة من جملة السؤال كيف ثم الفعل المضارع ثم الفعل الماضي، تكررت تقريبا كما هي مثل قوله:/ أحبك حد النزيف.. وحد التعدد/ حد التلاشي.. وحد الجنون/ أو قوله (لن تأتي بعدك سوسنة/ لن تأتي مدن/ لن تأتي شمس/ لن يأتي معبد)

ان هذا التركيب المتطابق إلى حد التماثل في الابتداء بلن والفعل المضارع والفاعل هو نفس التركيب في الجمل الأربع ويعد علامة على فقر الأساليب وإن كنتُ أعده عند عبدالله دلالة على عدم خروجه بعد كلية من عباءة أساتذته المنبهر بتجربتهم إلا أن هذا هو حال كل المبتدئين.

وخلاصة القول أن شاعرا يقتنص مثل هذه الصور ويقول: (كالطفل يخلق أعيادا بضحكته/ وينفض الليل في إصباحه شغبا) و(أصحو فأبحث عن خيول تسحب الأرض التي استندت على رئتي) ويقول (ونحلم أن السماء ستدنو قليلا/ وإنا سنرفعُ ما سال من كلمات الشجر) لاشك بأنه شاعر خلاق وشاعر حداثي يمتلك أدواته ورؤيته الخاصة، إذا كانت الحداثة هي أن تمتلك رؤيتك للعالم بمعزل عن قوانين التفكير التقليدية التي يصدر عنها الفكر السائد في ضوء ما قاله الشاعر المبدع قاسم حداد.

ــــــــــــ

0000000000
14-06-2007, 11:22 PM
:helo: كونشرتو الكلمات» الإصدار الأول للشاعر عبد الله العريمي، ويحتوي الديوان على عشرين قصيدة تختلف من حيث الطول والتكثيف الشعري والإيقاع الموسيقي اختلافا ملموسا.

أولا المستوى الدلالي:

للنص عند عبدالله مستويات دلالية عديدة، ولعل قصيدته المتميزة في الديوان (مشاهد) تعطينا إشارة ما عن ذلك، حينما قال: (أطلُّ على صُور/ وهي تصحح للأركلوجيا/ كلامَ القبائل في معبدٍ منهك) والأركلوجيا هو مصطلح جيولوجي في علم الطبقات يحدد مستوى الطبقات، وقد أخذت الدراسات النقدية هذا المصطلح ووظفته لتحديد مستويات طبقات النص الإبداعي، مما يوحي لنا منذ البدء بان الشاعر واعٍ مطلع على الحديث في مجاله، وقد وظف ذلك الوعي توظيفا فنيا موفقا، وترتكز الرؤية الشعرية في الديوان على بعد واحد هو الحب المتناهي. فالديوان كأنه قصيدة واحدة تتكلم عن معشوقة غائمة غير واضحة الملامح، هذه الحبيبة قد تكون هي القصيدة المعشوقة الحلم أو هي المرأة المعشوقة المشتهاة أو الأم الحبيبة أو الأرض المعشوقة عشقا أسطوريا أو كل ذلك مجتمعا، لكننا نلمح أن هذه التفريعات تتضام لتشكل بعدا رئيسيا، يسلط عليه الشاعر الضوء المركز عبر تجربته الشعرية كلها، ويتمحور هذا البعد حول الشعر أو القصيدة المعشوقة، ليصبح عشق الشعر هو مرتكز الرؤية الأساسي، ونرى في العريمي ذلك الشاعر المهموم والمسكون المتلبس بالشعر والشاعرية، ومن ثم فالشاعر- في رؤية عبد الله- هو ما زال صلة السماء بالأرض يكمل النفحة الجمالية التي بثها الخالق في الوجود وهو شاهد عصره بل ومكلَّف بالتغيير، ولهذا تكثر مفردات النبوة والتنبؤ والمتنبي والرسول عبر النصوص، كما نجد في الديوان أكثر من قصيدة عن الشاعر محمود درويش إهداء صريحا أو ضمنيا وفيه قصيدة بعنوان (قافية للمفترق الأخير) لعلها توحي بالترميز إلى نزار قباني، وفيه قصيدة مهداة إلى صديقه الشاعر المرحوم عبدالله السناني، وهناك مشاهدة للمتنبي وتضمين لأبي العلاء، وتوظيف للشاعر الإغريقي (هومير). أما مفردات الشعر والقصيدة والكلام والحروف والكتابة والإيقاع واللحن فهي أكثر مما يحصى عبر الديوان جملة كما يخدم الغلاف والعنوان (كونشرتو الكلمات) الغرض نفسه، والكونشرتو هو اللحن والجهد، وهما مع الكلمات مرتكزات القصيدة. كما أن افتتاح الديوان بنص مساء المتمحور حول عشق القصيدة يتكامل مع رؤية التجربة الشعرية، وبناء على كل ما تقدم نجد لنصوص عبدالله في الشعر عدة مستويات دلالية - كما ذكرت - فإذا أخذنا القصيدة الأولى نموذجا تطبيقيا نجد الشاعر يقول: (مساء تكونين أكثرَ عشبا/ وأكثر خصبا/ ويصبح للماء ألفُ احتمال/ لنمشي إلى الحب خمسَ دقائقَ أخرى/ فإني مددت ظلاليَ عشرينَ عاماً) إن هذه القصيدة بعنوان مساء وهي من حيث الدلالة والمضمون تعطيك أربعة مستويات تجعلك تتساءل هل أراد الشاعر أن يصف الأرض المدينة (صُور) أو الحبيبة المرأة المعشوقة أو الحبيبة الأم أو القصيدة الحلم، وتنداح مفردات القصيدة لتعطيك ما شئت من دلالات وتنفتح أمامك بلا حدود، ولأن النص الحديث نص ملغز مربك ومشفر، فهو لا يعطيك نفسه من أول قراءة ولا بد من تكرار القراءات والبحث عن مفاتيح النص أو إضاءته من خلال النص نفسه بدءاً بالعنوان وانتهاء بآخر كلمة في القصيدة، والعنوان لدى العريمي نادرا ما يشكل مفتاحا أو إضاءة مركزة نستطيع بها كشف الرؤية الفنية،إلا عندما يكون النص مشفوعا بإهداء واضح مثل نص إلى أمي أو إلى محمود درويش، ويبقي السؤال قائما، أين يضع العريمي مفتاح القصيدة إذن ؟ يبث عبدالله الإضاءات العديدة خلال النص ويمنحنا أكثر من مفتاح لنستدل، حتى لا ينغلق النص على القارئ وندخل في دوامة الغموض الذميم المتكلف المعتم، ومن خلال أكثر من إضاءة نعرف أن معشوقة الشاعر في نص مساء هي (القصيدة) إنه عاشق للشعر فما هي مفاتيح هذه الدلالة من خلال النص،يقول الشاعر: (لأكتب برقك فوق البحار)- هنا برق وكتابة ونلاحظ ارتباط البرق بالسماء وهي مصدر الوحي الشعري والإلهام أو مصدر الموهبة وارتباط الكتابة بالشعر أيضا- ويقول: (ترفع عرش الكلام/ وتفلت منها إيماءة شِعر) وهنا يرفع لها عرش الكلام لا أي كلام، وهنا إيماءة شِعر فهل تعني الإيماءة الومضة الأولى للقصيدة ؟ ربما، ويقول(ربما تقربني من أقاصي الكلام) نلاحظ ارتباط الشعر بفن القول والكلام.

ويقول (فكيف أبرر هذي الأغاني التي تجهشين بها) نلاحظ إشارة الأغاني وللشعر موسيقى وحداء وغناء ومعاناة تولد الحزن (تجهشين)، ويقول: (ومدي إلى حروف الكتابة من شفتيك مواويل شمس) إشارات أخرى تتمثل في الحروف والكتابة والشفتين مصدر القول (من شفتيك) والمواويل الغناء موسيقى الشعر، ويقول (وحتى ألمك كلك بالشِعر/ من قمة الرأس للقدمين/ أحاول ترميم هذا التشتت/ رغم اقتناعي/ بأن التماسك صعب/ وأنت تمرين/ بين عروق اليدين) هنا لفظ صريح للشعر والقصيد (ألمك كلك بالشعر) وهنا ترميم التمزق والتشتت ويرمز بذلك إلى معاناة الشاعر ساعة الخلق وولادة القصيدة، وهنا (مرور بين عروق اليدين) ولماذا اليدان دون سائر أعضاء الجسد ؟ لأن اليدين هما وسيلة الكتابة. ولاشك أنها مفاتيح كافية لإضاءة النص بشكل فني واعٍ دون الوضوح المخل لفنية العمل الإبداعي.

والجيد في هذه التجربة تلاحم خيوط الرؤيا في نسيج متجانس فربما نجد إضاءة في آخر الديوان تضيء لنا ما جاء في نص متقدم كما على سبيل المثال قول الشاعر في ص72 في المشهد الثامن من قصيدة مشاهد واصفا القصيدة أيضا دون أن يصرح بذلك: (أطلُّ على طفلة من حِوار السماء مع الليل/ تنذر ضحكتَها للبذار/ تنام فتلتحفُ الوحي والقافية/ فما حاجتي للقصيدة/ عند انكسار النهار) ألا تتراسل دلالات هذه القصيدة مع مضمون قصيدة مساء السابقة، التي وردت في (ص٥) حيث الوقت الذي تتحاور فيه الطفلة ويقصد بها (القصيدة المولودة البكر) من حوار السماء مع الليل، وهو الوقت المثالي لكتابة القصيدة، فتنذر جمالها(ضحكتها) للبذار للخصب ثم تلتحف الوحي والقافية تأتي مرتدية الكلمات (الوحي) والإيقاع الموسيقي (القافية).

ثانيا: التقنيات والظواهر الفنية:

لعلنا لا نتجاوز الصواب إذا قلنا أن أبرز ما في هذا الديوان هو لغته ذات النسق والأساليب الحديثة وصوره المستجدة الممهورة ببصمة صاحبها أي أنها صور في غالبيتها من ابتكار ذهنية الشاعر لم يسبق أن لاكتها ألسنة الشعراء من قبل، فهي بذلك ليست تقليدية ولا نمطية مستهلكة بل حداثية بكل ما تحمله إشعاعات هذا المصطلح.

فالعريمي كما أراه من خلال نصه الإبداعي شاعر مجدد لغة وتصويرا، وهو مبدأ اعتمده وسار عليه ففي (ص57) يقول:

(لابد من لغة تملي إرادتها.. لابد من سفر لا يعرف التعبا) أي لابد من أن يجهد المبدع نفسه لابتكار الجديد في مجاله، ولا يركن لسهولة التلقي، وسنعرف أن جذر كلمة كونشرتو باللاتينية يعني بذل الجهد في أحد وجوهه. والسؤال كيف استطاع الشاعر أن يكون مجددا في إبداعه رغم الكم التراكمي التراثي الضخم لهذه الأمة في هذا الجنس الإبداعي بالذات (الشعر) الأمر الذي جعل الشاعر الجاهلي القديم يصرخ: (هل غادر الشعراء من متردم)، أي هل ترك الشاعر القديم للجديد شيئا يضيفه ويجدد من خلاله.

وللإجابة على السؤال السابق أقول: لقد استخدم عبدالله ما يعرف بحيل الشعراء.. ليحدث نصه ويجدده ويتجاوز نمطية الموروث والأساليب المستهلكة، علما بأنه شاعر ملتزم بالتراث فهو مجدد من خلال إرثه أي أنه غير منبت الصلة بموروثه، إذن كيف تحايل علينا الشاعر ؟ لقد لجأ إلى استخدام عدة تكنيكات لغوية أسلوبية وعدة ظواهر فنية من أجل أن يجدد الأساليب والصور، وهي تكنيكات وظواهر أخذت تشيع في النص الشعري المعاصر بشكل عام مع اختلاف فنية التوظيف وجودته من شاعر إلى آخر، فما هي هذه التقنيات..

(١) - كسر العلاقات في النسق اللغوي: وأعني بهذا كسر المألوف من العلاقة بين المسند والمسند إليه ونماذج هذا أكثر من أن نحصيها في الديوان فحينما يقول الشاعر:(ياسر التكوين/ ومذاق القمر المزروع سفرجلة) فان مفردة مذاق المسندة إلى القمر لا علاقة بينهما وحينما نسند القمر إلى المزروع سفرجلة أيضا نجد العلاقات منتفية ومفككة، وحينما يقول (فشبَّ نخاع الكلام الموشح بالبن) لا علاقة بين المسند شب وبين نخاع المسند إليه ولا بين النخاع والكلام ولا بين الموشح والبن، وحينما يقول (لنفتح أصواتنا طرقا) نلاحظ أن النسق اللغوي مفكك العلائق مما يؤدي إلى كسر المألوف والمعتاد من التراكيب قي ذهنية القارئ. ويقول) وأهديت النخيل الواقفات على نجوم الليل رائحة الكلام) ويقول (فصارت مقاماتُ صوتي/ حوافرَ خيل تدق زجاج السماء) إن هذه العلاقات المتباعدة المنبتة الصلة بين مقامات الصوت وحوافر الخيل وزجاج السماء) هي التي ولدتْ الدهشة والجدة والطزاجة في الإسلوب ومن ثم المتعة الفنية.

٢ - التضاد المولِّد للمفارقة: وعادة ما تكون المفارقة ساخرة مؤلمة يقول الشاعر: من قصيدة على باب مسقط (ومسقط نائمة في هدوء/ ومسقط شاهدة.. شاهدة) إن تكرار مفرد شاهدة هو تكريس لليقظة والتنبه لكن مسقط نائمة في هدوء فمن أين لها ذلك التيقظ لتكون شاهدة على ما يجري شهادة مؤكدة ؟- ويقول في تضاد بين حالتين وليس مفردتين مجسما صورة متضادة الملامح من خلال تقابل هاتين الحالتين: (هناك حيث يدرب الأمواتُ أنفسهم/ ليمشوا في القصيدة ضاحكين/ يضيئهم قلقُ العصافير الصغيرة/ وهي تحترف الغناء/ وتضيئني لغتي/ ليحترق المساء) نجد حالتين أحداهما تمثل الفلسطيني وشعر المقاومة وأطفال الحجارة (يضيئهم قلق العصافير الصغيرة) والثانية حالة معاناة الشاعر وهو يولد القصيدة يستضيء بها ويحرق المساء. وتخدم العبارات كلها التضاد مولدة المفارقة.

٣ - انحراف الدلالة في التماثل الصوتي: وهذا الانحراف قد تتعرض له المفردة أو الجملة إذ ينحرف المعنى عن معنى مماثل ومعروف ماثل في ذهنية القارئ ويؤدي هذا إلى كسر التوقع ومن ثم الدهشة والانتباه، وهو لا يشكل ظاهرة بارزة عند عبدالله لكنه موجود كبدايات: يقول الشاعر في (ص٨):

(لا تسبحوا في بن قهوتنا/ ولا تتكاثروا في مدخل الموت الحرام) ويقول: (ولكم دهنتُ بزيت شِعري أنجما) ويقول في (ص٣٣) (ها أنت توقظ سرب الفراشات في الحاضر المتمعدن) طبعا من الواضح أن التوقع كان لا تتكاثروا في مدخل البيت الحرام، ولكم دهنت بزيت شَعري، وفي الحاضر المتمدن لكن الشاعر كسر التوقع هذا حينما انحرف بالتركيب مولدا دلالة أخرى ففي الأولى يقصد بالموت الحرام موت الفلسطيني بلا سبب وفي الثانية قصد تلميع الجمال المتمثل في النجوم بزيت شِعره، وفي الثالث قصد بالفعل العالم المتمعدن فهي الصفة التي أصبحت أكثر ملائمة لصفة العصر التكنولوجي القائم على الحديد والصلب والقوة الحديدية، إذن هو فعلا متمعدن لا متمدن.

٤ - تراسل الحواس: وهي ظاهرة تعني استخدام مدركات حاسة لحاسة أخرى، فالعين تشرب والأذن تتذوق والفم يسمع...الخ وهي ظاهرة تؤدي إلى تشكيل صور جديدة غير مستهلكة ونماذج هذه الظاهرة كثيرة جدا في الديوان كثرة تجعلها ظاهرة من ظواهر شعر العريمي.

يقول الشاعر: (صباحك نورستان/ تطيران بالأرض/ تغتسلان بما سال من ضوء صوتك/ حين يدحرج خلفي قافلة من دعاء) لاشك بأن هذه الصورة مبتكرة وخاصة بصاحبها والتراسل هنا قد أسهم بدور كبير في توليدها، فالصوت هنا وهو من مدركات السمع يسيل ويصبح من مدركات البصر، والدعاء وهو من مدركات السمع يدحرج في قافلة فيصبح من مدركات البصر، ويقول (صباحك أغنية من حليب وسكر) فالأغنية مدرك سمعي والحليب والسكر مدرك تذوقي، وحينما يقول أهديتُ النخيل رائحة الكلام،نلاحظ أن هناك تراسلا بين البصري النخيل والسمعي الكلام والشمي الرائحة وهذا التراسل هو الذي يولد صورا مدهشة جديدة.

٥ - توظيف التراث: إن الشاعر رغم حداثة رؤيته ولغته وصوره مهتم بتراثه، وثيق الصلة به، وهو قارئ جيد لتراثه وللتراث الإنساني على وجه العموم، ومن ثم استطاع أن يهضمه ويستلهمه في نتاجه ولاشك أن التراث منجم لا تنضب كنوزه أمام الشاعر، وفي قصيدة كونشرتو الأرض ويقصد بالأرض فلسطين يملأ العريمي هذه القصيدة بالذات بكثير من الإسقاطات التراثية، لعله نوع من التأكيد على هوية هذه الأرض وتجذر انتمائها العروبي، يقول الشاعر:

(كم من غراب سوف تحتاج الحقيقة/ كي تواري سوءة النسيان..؟-) واضح هنا الاستلهام القرآني لحادثة ابني آدم هابيل وقابيل.

ويقول (كم من هدهد نحتاج كي نلقي التحية/ حول نافذة البكاء المرّ) وهو توظيف قرآني آخر لحكاية هدهد سليمان مع بلقيس ويقول (من لم يمت بالسيف/ مات بلعبة التاريخ في تلموده).

هنا توظيف لمقولة المتنبي من لم يمت بالسيف مات بغيره/ تعددت الأسباب والموت واحد) ولكن الشاعر انحرف بالسياق ووظفه وفقا لرؤيته المعاصرة، ويقول:

(ماتت نواطيرٌ بمصر../ ولم يزل من يومها/ يذوي على كفي نبي أو مدن) موظفا مقولة المتنبي (نامتْ نواطير مصر عن ثعالبها) في إشارة إلى تدهور الموقف العربي منذ انشقاق مصر عن وحدة الصف بمعاهدة كامب ديفيد، ويقول: (وسيناء التي قد انبتتْ من تيهها طرقا لتعبر منها أسفارُ المراثي/ وهي راحلةٌ إلى ما لست أدري من حدود الماء/ تجرحني/ ويجرحني الزمن) في إشارة إلى التيه اليهودي وأسفارهم وبكائياتهم على ضياع حدود الدولة اليهودية من الماء إلى الماء كما يزعمون، ويقول(قد علقوا كنعانَ فوق الرمح/ كي يجدوا هويتهم/ فلم نبصر عباءتهم تجر الأرض من أرواحنا) في إشارة إلى ما فعله اليهود بالفلسطينيين أحفاد كنعان كي يحيوا هويتهم لكن أرواحنا المتجذرة بالأرض لن يجرها ذلك المدّ اليهودي، ثم يقول(فليمتحني الموج إني قد كسرتُ جرارَ أغنيتي/ وكسرت ألواح الوصايا/ كي أعودَ إلى دمي/) وهي أشارة واضحة إلى إصرار الفلسطيني على استعادة أرضه ضاربا بعرض الحائط بأكاذيب اليهود حول وصايا التوراة بأسطورة أرض الميعاد. إن هذا التوظيف التراثي الحر للأساطير والنصوص القرآنية والتوراتية والشعرية هو مجال رحب لخلق صور جديدة معاصرة تربط مابين الحدث القديم والمعاصر وفق رؤية معاصرة.

ثالثا: الموسيقى:

رغم سعي الشاعر الحثيث للتجديد لغة وتصويرا ورؤى إلا انه منضبط إيقاعيا إلى أقصى الحدود، وهو لا يرغب بل ويستنكر المس بإيقاع القصيدة، فالموسيقي عند عبدالله عنصر رئيسي من عناصر الشعر، وللشاعر رؤيته الخاصة في ذلك، ومن هنا جاء ذلك الربط الشديد بين الأغنية واللحن والكلمات منذ عنوان الغلاف (كونشرتو الكلمات)، والكونشرتو هي مؤلفة موسيقية وضعت لآله أو لعدة آلات مرافقة الفرقة الموسيقية وتقوم الآلات بالدور الرئيسي إما الفرقة فتكون مرافقة فقط، وجاءت من الكلمة اللاتينية وتعني بذل الجهد، كما خدمت لوحة الغلاف ذلك التوجه جيدا حيث بلورت الخط العربي والحروف التي تشكل الكلمات والوحدات الموسيقية للسلم الموسيقي وكذلك فعل العنوان حيث ارتبط الكونشرتو وهو اللحن الموسيقي بالكلمات وما يهمنا هو هل استطاع الشاعر أن يوظف تلك الرؤية توظيفا فنيا موفقا ؟ للإجابة على هذا السؤال نقرأ قصيدة مشاهد التي شحنها الشاعر بتأملاته وبصرخة احتجاج أحيانا لكل ما يرفضه الشاعر من مشاهدات مرفوضة لديه، وقد وزع كل مشاهدة في لوحة مجسدا صورا فنية مختلفة المواقف والمضامين، والمشهد الذي يخدم الغرض هنا هو المشاهدة العاشرة التي يقول فيها الشاعر: (أطلُّ على عرب/ يشنقون أبا الطيب المتنبي/ على جسد امرأة من غبار/ يبولون فوق أعالي اللغة/ ويصطنعون مقاعد خالية للهزيمة/ يبتلعون حبوبا مصادرة للحلم/ يبيعون (ذي قار) في جلسة للطرب/ ويحترفون الفرار) إن إشارات النص تتمثل في شنق أبي الطيب المتنبي وهذا يعني إعدام التراث الشعري العربي في أهم رمز من رموزه وهو المتنبي، الترميز الثاني على جسد امرأة من غبار أي في سبيل زوبعة عابره كالغبار، الترميز الثالث: يبولون فوق أعالي اللغة، ويبتلعون حبوبا مصادرة للحلم، إذن هناك من يحتقر اللغة ويسيء إلى تاجها وهو الشعر(أعالي اللغة) بفعل شائن (التبول) ويصادر الحلم من الشاعر، وقد عرفنا أن حلم العريمي وعشقه هو الشعر والارتقاء به والإشارة الرابعة يبيعون (ذي قار) في جلسة للطرب أي يبيعون عروبتهم المتمثلة في غزوة ذي قار ولماذا (ذي قار)؟ لأنها معركة من أعظم أيام العرب وهو أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم، فهل يبيع أولئك انتماءهم العروبي ويبيعون أفضل تراث العرب وانتصارهم (الشعر) ليشتروا ولاء أعاجم اليوم، من أجل الحصول على مغنم ما ؟ (في جلسة للطرب) لقد رد الشاعر على هؤلاء المحتقرين لتراثهم، بالتمسك الشديد بالإيقاع العروضي بل وأخذ يجدد من خلال البناء التقليدي للقصيدة العمودية،ومن خلال بحور شبه مهجورة حاليا من معظم شعراء التفعيلة، للتأكيد على رؤيته الخاصة يقول الشاعر في (ص٢٥) من قصيدة مخطط لإغواء امرأة:

(إن مرَّ وجهُكِ مبتلا بأغنية /

أنفاسُ مزرعة تجري بتفكيري

مذ جئت عينيك هل زارتْ مدائنها/

غيرُ النجوم وأسرابُ العصافير

نسيتُ هل أصدأ الأحلامَ غاليتي/

غيابُك المرُّ أم وهم المقادير..؟-

أنا أحبك يا عصفورة خمشتْ

وجه الظلام فسالتْ قطرتا نور)

لاشك أن هذه اللغة هي لغة عالية في سقفها الشعري، مدهشة التصوير حديثة التراكيب، ترى هل أراد العريمي أن يقول لنا نستطيع أن نجدد من خلال التمسك بالهوية والتراث دون أن نشنقه ونتبول عليه ونحتقر من أسهموا فيه وأبدعوا وتفردوا كالمتنبي والفراهيدي ومن هنا اختار عبدالله بحر البسيط ليجدد من خلاله وهو بحر مركب التفاعيل، بل أنه قد استخدم بحرا كان البحر المفضل لدى القدماء وأصبح في الشعر المعاصر شبه مهجور، وهو الطويل..

وإذا عملنا إحصائية للبحور المستخدمة لدى العريمي سنجدها على النحو التالي: متقارب عدد عشر قصائد، الكامل خمس قصائد البسيط ثلاث،الطويل واحدة،المتدارك واحدة، إذن البحر الأثير لدى الشاعر هو المتقارب وتفعيلته (فعولن) إذ أخذ نصف قصائد الديوان وهذا ليس بغريب فهو بحر متدفق اللحن ثري الإيقاع، والغريب أن يهجر بحرا يعتبر الأثير والمفضل في الشعر المعاصر لما فيه من رخص وعلل تقربه من النثرية وهو المتدارك، لكن هذا ليس بغريب، بل تقصده الشاعر إمعانا بالتمسك بصرامة الخليل العروضية.

وأعتقد أن سبب تخصيص (هومير) بالذكر من شعراء الإغريق لأن هومير شاعر أعمى، لكن شعره بصري جدا، يقول (أوسكار وايلد) إن الإغريق أدعوا بأن هومير أعمى للتأكيد على أن الشعر لابد أن يكون سمعيا وليس صوريا، ومن هنا جاءت مقولة (فرلين) والرمزية المعاصرة لوايلد (الموسيقى قبل كل شيء). وأعتقد أن عبدالله من أنصار هذا الرأي بامتياز ولنفس هذا السبب تم استدعاء أبي العلاء المعري رهين المحبسين.

الخلاصة: أن هذا الديوان يقول لك إن الشعر شعر وهو موجود في كافة الأشكال عمودي او تفعيلة، إذا صدق الجهد والموهبة، لكننا لا نستطيع أن نغادر هذا الديوان المتميز دون أن نسجل بعض الملاحظات حوله وأهمها ما يلي:

١ -اختفاء ملامح البيئة المكانية:

ففيه لم نلمح خصائص البيئة العمانية ولا ملامح الخليج وحتى قصيدة على بوابة مسقط لم أجد ملمحا واحدا من ملامح مسقط المميزة جغرافيا وتاريخيا، وكذلك الأمر بالنسبة لقصيدة زرقاء التي قصد بها مدينته صور إذ لولا ثلاث مفردات فقط وردت عرضية وهي البحر وهياكل المحار والأخشاب لصلحت القصيدة لمخاطبة أي معشوقة، والمقابل لهذا كثرة الملامح المكانية لبيئة الشام ومفردات هذه البيئة مثل تكرار مفردات مثل (زهرة اللوز، حنطة، الليلك، الزعتر البلدي، أدوزن، صنوبرة، الشحارير، غابات أرز، جوز، الشآم، واختفت أشجار مثل السدر السمر الغاف النخيل.. الخ وهي التي يعايشها عبدالله كل يوم كما استخدم عبدالله نفس الأشهر العربية المستخدمة في بيئات الشام مثل (أيار وأيلول وحزيران..الخ) ويبرر هذا انبهاره بشعر محمود درويش ونزار وحداثة التجربة، إذ ما زال الشاعر يدور في فلك الأساتذة الكبار منبهرا ومقلدا لهم مما يفسر كثير من العبارات النزارية وعبارات درويش مثل قول عبدالله: (وجند أبيك تدس مكان القصيدة جرحا/ تفتش عن صوت فيروز فينا في حزن شاعر/ وعن بيت شعر لمحمود درويش/ كنا نعلقه فوق ساعد هذا الزمان/ ونشهد كل العواصم/ إنك خاتمة للنساء/ المدن)

٢ - الأساليب المستهلكة:

هذه ملاحظة هي محصلة منطقية للملاحظة السابقة فلدى عبدالله بعض العبارات التي كثر استهلاكها من الشعراء ولكنها لرغبة الشاعر في التجديد ووعيه واجتهاده نجدها قليلة، وهي قد تفلت من اللاوعي من مخزونه القرائي. مثلا نسمع صوت نزار في قوله من (ص46) (فكيف اختصرت بموعد شاي جميع النساء) وفي (ص37) (إني برئت من الظنون وراعني/ أني خلقتك من لهيب أصابعي) وهذا يذكرنا بقول كامل الشناوي: فلقد صنع