لولة جاسم محمد
29-05-2007, 09:15 AM
http://www.uaekeys.com/fwasel/www.uaekeys.com42.gif
حطاب الغابة
كان هاتفكَ يرن وكان الحب يقتلني
هاتف يرن وعاشقة لا تقوى على الكلام.
(1)
مَن أرخى.. ومَن أرّخَ... مَن خرَّب هذي الروح....
(2)
توقفت الكلمات في حنجرة الحطاب وانعقدت طلاسم الحروف بين شفتيه. دمعت عيناه وتلألأت شعراته البيض كأصابع شموع الأعراس وارتسمت على وجهه الأسمر غلالة حزينة ذكرتني بأحزان الصامتين، الغامضين، الذين يبتلعون الأسرار كما يبتلعون أقراص النسيان.
كان يردد بصوت متهدج محاولاً أن ينعتق من حبكة الحروف وضغط «الراء» وتصادم «الخاء» في أعماقه البعيدة؛ ولم أخمّن لحظتها إنْ كان يردد قصيدة أو إيقاعاً لحروف معينة أو ربما داهمته نوبةٌ شفافة لتشكيلٍ حروفي غريزي.
وأنا في طريقي لتدوين ما يجود لي به من سيرته، كان الحطاب هادئاً وهو يبتلع التاريخ ويمضغ الحاضر بطريقة لا أشك فيها لحظة من أنه الآن في أقصى درجات السخط والاستسلام معاً لقدرٍ أو أقدارٍ قديمة مرت على حياته التي لا أعرف الكثير عنها.
من أين نبدأ يا حطاب!
من النهاية!
لكن النهاية لم تنتهِ بعد!
من آخر نهاية.
وهل للمرء نهايات؟
كل لحظة جديدة تبدأ تتكون على أنقاض لحظة نهاية مرت، وكل يوم يضمحل ويموت ويتوارى هو نهاية.. هكذا سترى أيها الولد الطيب أن للمرء نهايات ونهايات.
كما تريد يا معلمي.. لنبدأ من آخر نهاياتك.. ما هي آخر نهاية؟
المرأة!!
قدحت عينا الحطاب بوميض غريب وترددت أضواء خافتة في محجريه سرعان ما توهجت بدمعة طفولية عكست صفاء عجيباً لعشق صارخ تبدى مترقرقاً كزغب من رذاذ غير مرئي طفر من ماضٍ لا أعرف إنْ كان قريباً أم بعيداً.
كان يردد أمام عصفورة حطت على إصبعه: ما أصعب الاعتراف.. ما أصعب الاعتراف...! وكانت الحروف تتصادم من جديد في حنجرته ثم تستقر على شفتيه بسلاسة قصيدة جميلة تشد إليها جمهوراً غائباً متوارياً خلف نقاب سنوات مطوية في ذاكرة الشظايا؛
وكان حطابي يتجمل بإيقاع الكلمات وطلاسم الحروف كالبوذي السعيد. يستعيد شيئاً من آخر صبواته بلغة غجرية ماضية جمعت بين أعطافها رحيق وردة نائمة ورفرفة طائر لا يغادر عشه والكثير من رقة حزينة لتاريخ شخصي ترادفت فيه صادٌ من الصبوات وسينٌ من النساء والكثير من خاء الخراب.
أخشى ضياع البدايات يا معلمي.
البدايات بنهاياتها أيها الولد الطيب.
لكن النهايات طويلة عادة.
أطول الأشياء أقصرها.
كيف؟
كلمة «حب» تختصر قاموس الحب وتاريخ العشق وجغرافيا النساء.
لماذا لا نؤجل هذا إلى دفتر العشق الكبير.
أريد أن أكرّم امرأة وأضع على صدرها وسام البراءة....
هل نبدأ؟
قبل البداية ضع ثلاث نقاط على حرف الواو..!
لماذا؟
حتى تنسى!
وكيف أدون التاريخ بالنسيان؟
التاريخ لا يعني إلا العاطلين عن الحياة.. التاريخ لا يعني الموتى.. إنسَ.. ضع نقاطك الثلاث ودوّن من النسيان!
تدلت دمعةٌ من عين الحطاب. تركها معلقة بين رموشه السوداء.. وها أنا أدون لمحطة عشق غامضة في حياة الحطاب.. ومن دمعته أدوّن النسيان.
«سأسميكِ أنثى الغياب الطويل. امرأة الطفولة الأولى. سيدة الجمال القديم: يومَ كانتِ الريحُ تلعب بريش البط على مشارف أهدابكِ وكان شعركِ يتناثر كبرق السماء عشاً تفرّقه الرياحُ والأمطارُ ليورقَ براعمَ وزهراً برياً ينبتُ بين أضلاع الرعاة.. فمَن أرخى.. ومَن أرّخَ.. مَن خرّبَ..مَن آخى بين العشبةِ وقطرة الماء! ومَن آخى بين الشظيةِ ولحمة القلب»!
سأسميكِ أنثى العذاب. أنثى الحروب والموت البطيء؛ أيتها الحروف العميقة في تاريخ المدينة الكاذبة، أيتها الحروف المرتبكة على لساني، أيتها ال(سين) البارعة في إيقاظ الماضي من سباته الثقيل وإيقاد جمرة الحب في أوصاله الميتة، يا معلمة طفولتي الكالحة؛ صديقة كلماتي؛ حبيبة غيابي؛ أسئلتي الضائعة؛ لغتي المسروقة من دفتري الوحيد؛ حروفي وطلاسمي الأثيرة؛ وردتي التي اغتالتها صواريخ الحروب؛ سري المعتّق بين جوانحك؛ ورقتي التي بللها المطر ذات ليلة فمحى نبضها وأربك شفراتها.
«كان هاتفكَ يرن وكان الحب يقتلني» هذا ليس هاتفي أيتها الشقية، هذه عشرون سنة عادت إليك وعدتِ إليها لتدق في نبض هاتفك وبين أضلاعك. هذه أصابعي تزحف من ركام مقبرة مهجورة وتتلمس دبيب قلبك. هذا هو الماضي يتأرجح بيني وبينك ويعيد النافورة إلى منبعها والموج إلى ضفتيه.. كيف سلمتْ ضفائرك من الحرائق والشظايا ورماد الحروب؟؟
كيف فرّ طائركِ من أفران المدينة السوداء؟ وكيف هربتِ من الموتِ إلى الحياة والى الموت من جديد! على أي جسرٍ مضيتِ! وأية سحابة طارت بك! وأي خرابٍ أثقلَ بياض عينيك؟ لا تموتي ببطء تشبثي بالحياة من أجل كل شيء، ما كان وما سيكون. غمامة مدينتنا طويلة وثقيلة، وغمامة القلوب هي الأطول والأثقل؛
فتشبثي بذكرى أيام جميلة مضت وهزي عرش طفولتك البعيدة. تعلقي بمراوح السعف وأفياء القرى، لتكوني امرأة تشبه المطر دائماً، لتنبثقي من أكداس الدخان إيقونة فارعة خضراء.تطاولي على المفخخات وغدر الأخوة الأعداء واكتبي قصائد الأصدقاء المنسيين. ارسمي وجهك على مرايا التوابيت ولا تيأسي، واحلمي بطائر سعيد وقف ذات يوم على خصلة من شعرك و.. بكى؟ «الماضي هنا لأنك هناك». أيها الماضي أيها الماضي ماذا فعلتَ بنا!
لا تكوني غريبة الروح، كوني غريبة مكانك، وسأزيدك أملاً من أجل ذكرى بعيدة رأيتك فيها وافتقدتك فيها. تعودين الآن؟ ما أصعب الاعتراف! ما أقسى الجمال! ولا تنسي الطائر الذي وقف على خصلة من شعرك ذات يوم وبكى؟ سيعود إليك ويمسح الغبار من عينيك ويحرس أجفانك من الأحلام السود وينقر شفتيك وينام بين أضلاعك.. أخرجي من مقبرة الوطن إلى مقابر الغرباء».
صمت الحطاب وبقيت دمعته عالقة بين جفنيه شفافة، نقية، صافية صفاء البلور...
حطاب الغابة
كان هاتفكَ يرن وكان الحب يقتلني
هاتف يرن وعاشقة لا تقوى على الكلام.
(1)
مَن أرخى.. ومَن أرّخَ... مَن خرَّب هذي الروح....
(2)
توقفت الكلمات في حنجرة الحطاب وانعقدت طلاسم الحروف بين شفتيه. دمعت عيناه وتلألأت شعراته البيض كأصابع شموع الأعراس وارتسمت على وجهه الأسمر غلالة حزينة ذكرتني بأحزان الصامتين، الغامضين، الذين يبتلعون الأسرار كما يبتلعون أقراص النسيان.
كان يردد بصوت متهدج محاولاً أن ينعتق من حبكة الحروف وضغط «الراء» وتصادم «الخاء» في أعماقه البعيدة؛ ولم أخمّن لحظتها إنْ كان يردد قصيدة أو إيقاعاً لحروف معينة أو ربما داهمته نوبةٌ شفافة لتشكيلٍ حروفي غريزي.
وأنا في طريقي لتدوين ما يجود لي به من سيرته، كان الحطاب هادئاً وهو يبتلع التاريخ ويمضغ الحاضر بطريقة لا أشك فيها لحظة من أنه الآن في أقصى درجات السخط والاستسلام معاً لقدرٍ أو أقدارٍ قديمة مرت على حياته التي لا أعرف الكثير عنها.
من أين نبدأ يا حطاب!
من النهاية!
لكن النهاية لم تنتهِ بعد!
من آخر نهاية.
وهل للمرء نهايات؟
كل لحظة جديدة تبدأ تتكون على أنقاض لحظة نهاية مرت، وكل يوم يضمحل ويموت ويتوارى هو نهاية.. هكذا سترى أيها الولد الطيب أن للمرء نهايات ونهايات.
كما تريد يا معلمي.. لنبدأ من آخر نهاياتك.. ما هي آخر نهاية؟
المرأة!!
قدحت عينا الحطاب بوميض غريب وترددت أضواء خافتة في محجريه سرعان ما توهجت بدمعة طفولية عكست صفاء عجيباً لعشق صارخ تبدى مترقرقاً كزغب من رذاذ غير مرئي طفر من ماضٍ لا أعرف إنْ كان قريباً أم بعيداً.
كان يردد أمام عصفورة حطت على إصبعه: ما أصعب الاعتراف.. ما أصعب الاعتراف...! وكانت الحروف تتصادم من جديد في حنجرته ثم تستقر على شفتيه بسلاسة قصيدة جميلة تشد إليها جمهوراً غائباً متوارياً خلف نقاب سنوات مطوية في ذاكرة الشظايا؛
وكان حطابي يتجمل بإيقاع الكلمات وطلاسم الحروف كالبوذي السعيد. يستعيد شيئاً من آخر صبواته بلغة غجرية ماضية جمعت بين أعطافها رحيق وردة نائمة ورفرفة طائر لا يغادر عشه والكثير من رقة حزينة لتاريخ شخصي ترادفت فيه صادٌ من الصبوات وسينٌ من النساء والكثير من خاء الخراب.
أخشى ضياع البدايات يا معلمي.
البدايات بنهاياتها أيها الولد الطيب.
لكن النهايات طويلة عادة.
أطول الأشياء أقصرها.
كيف؟
كلمة «حب» تختصر قاموس الحب وتاريخ العشق وجغرافيا النساء.
لماذا لا نؤجل هذا إلى دفتر العشق الكبير.
أريد أن أكرّم امرأة وأضع على صدرها وسام البراءة....
هل نبدأ؟
قبل البداية ضع ثلاث نقاط على حرف الواو..!
لماذا؟
حتى تنسى!
وكيف أدون التاريخ بالنسيان؟
التاريخ لا يعني إلا العاطلين عن الحياة.. التاريخ لا يعني الموتى.. إنسَ.. ضع نقاطك الثلاث ودوّن من النسيان!
تدلت دمعةٌ من عين الحطاب. تركها معلقة بين رموشه السوداء.. وها أنا أدون لمحطة عشق غامضة في حياة الحطاب.. ومن دمعته أدوّن النسيان.
«سأسميكِ أنثى الغياب الطويل. امرأة الطفولة الأولى. سيدة الجمال القديم: يومَ كانتِ الريحُ تلعب بريش البط على مشارف أهدابكِ وكان شعركِ يتناثر كبرق السماء عشاً تفرّقه الرياحُ والأمطارُ ليورقَ براعمَ وزهراً برياً ينبتُ بين أضلاع الرعاة.. فمَن أرخى.. ومَن أرّخَ.. مَن خرّبَ..مَن آخى بين العشبةِ وقطرة الماء! ومَن آخى بين الشظيةِ ولحمة القلب»!
سأسميكِ أنثى العذاب. أنثى الحروب والموت البطيء؛ أيتها الحروف العميقة في تاريخ المدينة الكاذبة، أيتها الحروف المرتبكة على لساني، أيتها ال(سين) البارعة في إيقاظ الماضي من سباته الثقيل وإيقاد جمرة الحب في أوصاله الميتة، يا معلمة طفولتي الكالحة؛ صديقة كلماتي؛ حبيبة غيابي؛ أسئلتي الضائعة؛ لغتي المسروقة من دفتري الوحيد؛ حروفي وطلاسمي الأثيرة؛ وردتي التي اغتالتها صواريخ الحروب؛ سري المعتّق بين جوانحك؛ ورقتي التي بللها المطر ذات ليلة فمحى نبضها وأربك شفراتها.
«كان هاتفكَ يرن وكان الحب يقتلني» هذا ليس هاتفي أيتها الشقية، هذه عشرون سنة عادت إليك وعدتِ إليها لتدق في نبض هاتفك وبين أضلاعك. هذه أصابعي تزحف من ركام مقبرة مهجورة وتتلمس دبيب قلبك. هذا هو الماضي يتأرجح بيني وبينك ويعيد النافورة إلى منبعها والموج إلى ضفتيه.. كيف سلمتْ ضفائرك من الحرائق والشظايا ورماد الحروب؟؟
كيف فرّ طائركِ من أفران المدينة السوداء؟ وكيف هربتِ من الموتِ إلى الحياة والى الموت من جديد! على أي جسرٍ مضيتِ! وأية سحابة طارت بك! وأي خرابٍ أثقلَ بياض عينيك؟ لا تموتي ببطء تشبثي بالحياة من أجل كل شيء، ما كان وما سيكون. غمامة مدينتنا طويلة وثقيلة، وغمامة القلوب هي الأطول والأثقل؛
فتشبثي بذكرى أيام جميلة مضت وهزي عرش طفولتك البعيدة. تعلقي بمراوح السعف وأفياء القرى، لتكوني امرأة تشبه المطر دائماً، لتنبثقي من أكداس الدخان إيقونة فارعة خضراء.تطاولي على المفخخات وغدر الأخوة الأعداء واكتبي قصائد الأصدقاء المنسيين. ارسمي وجهك على مرايا التوابيت ولا تيأسي، واحلمي بطائر سعيد وقف ذات يوم على خصلة من شعرك و.. بكى؟ «الماضي هنا لأنك هناك». أيها الماضي أيها الماضي ماذا فعلتَ بنا!
لا تكوني غريبة الروح، كوني غريبة مكانك، وسأزيدك أملاً من أجل ذكرى بعيدة رأيتك فيها وافتقدتك فيها. تعودين الآن؟ ما أصعب الاعتراف! ما أقسى الجمال! ولا تنسي الطائر الذي وقف على خصلة من شعرك ذات يوم وبكى؟ سيعود إليك ويمسح الغبار من عينيك ويحرس أجفانك من الأحلام السود وينقر شفتيك وينام بين أضلاعك.. أخرجي من مقبرة الوطن إلى مقابر الغرباء».
صمت الحطاب وبقيت دمعته عالقة بين جفنيه شفافة، نقية، صافية صفاء البلور...