aqwe666
18-04-2008, 01:57 PM
الفصـــــل الثاني
لكن الامر لم يكن سهلاً , فقد كان لكارلو روسي إرادة حديدية لقد تتابعت الأيام وهو رافض لكل اقتراحاتها عليه بالخروج للتجوال في أنحاء المنطقة وذلك بابتسامة هازئة مفضلاً كما يبدو قضاء الوقت بمكتب والدها ، ليعود معه عند المساء ، تاركاً فينيتيا تضرب بقدمها الأرض ثائرة .
وأثناء وجبات العشاء الطويلة البطيئة التي كانت تدوم طوال المساء , كان يحرص على أن يكون حديثه إليها بالغ الأدب وعندما لا يتحدث عن العمل فقد كان يتحدث عن بلاده مذكراً أباها بجذوره المنسية .
ولكن فينيتيا لم تفقد الأمل فقد كانت تفاجئه أحيانا وهو يرمقها بنظرات حيرى وبما أنه كان يقيم حاجزاً بينه وبينها فقد اصبح همها أن تخترق هذا الحاجز .
أن كل يوم كان يمر وكل ساعة منه كانا يقويان حبها ورغبتها فيه . لم يكن يهمها أي شيء آخر فقد تعمقت مشاعرها تجاهه في نفسها حتى شملت كيانها كله . و لأول مره في حياتها لم تحصل على ما تريد .
خرجت بوتي إليها تخبرها بأن ثمة مكالمة هاتفية لها ، وكانت هي تجلس في الشرفة تضرب بقدمها الأرض ساخطة . لقد استيقظت هذا الصباح فارتدت بنطالاً وقميصاً مقفولاً ، كان هذا اليوم هو السبت فهو لن يذهب مع أبيها إلى المكتب ، ولهذا صممت على أن تقنعه بأن يقضي الوقت معها ، إما بالنزهة أو بالخروج إلى المطاعم والمقاهي أو بآي شيء آخر .... ولكنه سبب لها صدمة بالغة عندما علمت من بوتي أنه قد سبق وخرج من المنزل منذ ساعة لكي يتفرج على هذه الأنحاء من الريف .
وبقيت في الشرفة تلعن نفسها لاستغراقها في النوم حتى السابعة بينما لو كانت خرجت من غرفتها قبل ذلك بساعة لأمكنها أن ترافقه لقد كان رجلاً صعباً حقاًَ كيف يمكنها أن تخترق ذلك الحاجز إذا هو رفض البقاء مدة أطول لكي تتمكن من المحاولة ؟
عندما دخلت غرفة المكتبة لتلقي المكالمة ، كانت أفكارها مشغولة تماماً بكارلو روسي وعبست وهي تسمع صوت سيمون الهادئ الرقيق يقول : " آسف لإزعاجك . ولكنني أريد أن اثبت موعدنا لهذه الليلة ." فرددت كلامه دون أن تفهم وهي ترد خصلة من شعرها إلى خلف أذنها قائلة :" هذه الليلة ؟؟ "
أجابها مرحاً : " الليلة يصادف ذكرى مولد صديقتك الثامن عشر هل تذكرتِ ؟ متى آتي لاصطحابك ؟ "
فقالت : " آه تلك الحفلة . " كانت قد نسيت كل شيء عن حفلة ناتاشا . وما كانت عادة لتغفل عن مثل هذه المناسبة ولكن بالنسبة إلى ظروفها غير العادية الآن ليس ثمة شيء يمكنه أن يبعدها عن منزلها مهماً كانت الحفلة رائعة ، فالأمل كان ضعيفاً ورغم هذا فأنها تفضل قضاء الوقت مع كارلو .
وقالت تجيبه : " لقد غيرت رأيي ." واستطردت عندما ساد الصمت الطرف الآخر من الخط لتقول : " أنني آسفة كان علي أن أخبرك قبل ألان ولكن عندنا ضيف في البيت وأنا مشغولة تماماً بالعناية به لابد أنك قابلته انه كارلو روسي .." حتى ذكر اسمه على لسانها يرسل في نفسها الشوق إليه . وتابعت تقول بصوت متقطع : " لقد كان يتبع أبي إلى المكتب كل يوم ."
أطلق سيمون ضحكة قصيرة هازئة وهو يجيب : " انه لا يتبع أحداً انه هو الذي يجر كل شخص خلفه لقد قلب شبكة الأقسام كلها رأساً على عقب ودقق في جميع الحسابات بعدسة مكبرة جاعلاً كل شخص هنا يعمل بأقصى طاقته ."
فقالت تسأله وقد تألقت عيناها : " هل إمكانه أن يقوم بكل ذلك ؟ " ولم تكن تشك في مقدرته على استلام المسؤولية أينما كان . فقد كانت هالة الثقة بالنفس والسيادة التي تحيط به هي من جملة المميزات التي جذبتها أليه .
أجابها سيمون بجفاء : " عليك أن تصدقي ذلك لقد تنازل له والده عن الأسهم التسعة والأربعين التي يملكها في فرع الشركة في بريطانيا مما منحه سلطة كبرى إلى جانب انه نفسه ، شخصية مسيطرة ذلك أن نظرة واحدة منه تحمل كل شخص على اتباع الطريق . فانتبهي ."
وتابع بحقد : " لا جدال في أن إمكانيته على التنظيم فريدة فهو يجد الحل للمشكلة حتى قبل أن يدرك أي واحد منا أن ثمة مشكلة أصلاً ."
كان في إمكان فينيتيا أن تستمر في سماع مثل هذا الحديث لساعات طويلة ولكن سيمون كان له رأي آخر فعاد يسألها : " هل أنتِ متأكدة بالنسبة لهذه الليلة ؟ سيكون هناك الكثير من المرح والتسلية ويمكننا فيما بعد أن نذهب إلى المطعم وليس من الضروري أن يعرف العجوز متى تنتهي حفلة صديقتك ."
ولوت فينيتيا ملامح وجهها عابسة قبل أن تقفل السماعة في وجهه وهي تقول : " ويحك ."
لقد تجاوز سيمون بغروره الحدود حقاً فقد كان عليه أن يدرك أنها تتجاوز محاولاته لتقربها أليه وذلك إذ تقابلها بالهزء فقط لأنها إذا تركته فأنه يتعين عليها البقاء في البيت بعيدة عن كل مرح و تسلية إلى آن يجد لها والدها مرافقاً آخر يمكن أن يثق بسلوكه تجاه ابنته الغالية .
ولكن إذا هو ابتدأ يبدي عدم الاحترام لأبيها بأن يدعوه بالعجوز وعارضاً عليها أن يخدعاه فهي على استعداد لان تلقي به بعيداً دون أسف مفضلة على ذلك البقاء في البيت . ثم آن كارلو هو الرجل الوحيد الذي تريد ان تكون معه وحنت كتفيها وهي تخرج من غرفة المكتب .
وفجأة توقفت عن السير في منتصف القاعة الفسيحة بعد أن طرأت في ذهنها فكرة بناءة فكرة صائبة لا يمكن أن تخيب . لاحت على شفتيها ابتسامة وتألقت عيناها وقد عاودتها الثقة بنفسها التي افتقدتها منذ أيام . واستدارت إلى بوتي التي كانت داخلة من الباب الأمامي تاركة إياه مفتوحاً لكي تدخل الشمس الدافئة فقد كانت تنظف مقبض الباب النحاسي ، استدارت إليها قائلة : " هل ذكر كارلو الوقت الذي سيعود فيه ؟ "
قالت بوتي : " لم يذكر شيئاً ولم أسأله ولكنه يمكن أن يكون هنا في موعد الغداء تقريباً . " وحملت الصندوق الذي يحوي أدوات التنظيف تحت إبطها وهي تتابع قائلة : " ولهذا لو كنت مكانك لما بقيت أطوف طوال الصباح في انتظاره ثم عندي نصيحة لك وهي ألا تظهري تهافتك عليه فما أسرع ما تنسين هذا كله وترين نفسك أنك حمقاء وستندمين على الأوقات التي كنت تدورين فيها حوله ."
وعندما رأت الثورة على وجه فينيتيا الشاحب لطفت من لهجتها وهي تتابع قولها : " أن الذي سيتضرر في النهاية هي كرامتك يا حبيبتي أنني أدرك مبلغ جاذبيته وأية امرأة تنكر هذا ؟ ولكن عدا أنه كبير السن بالنسبة إليك ربما لديه ألان نصف دزينة من النساء الجميلات هن في انتظار عودته و ألان ..." و ألقت نظرة على ساعة الجدار وهي تتابع : " أنها التاسعة والنصف . ألم ينزل والدك من غرفته بعد ؟ ليس من عادته أن يتأخر في سريره إلى هذا الوقت ."
فأجابت فينيتيا ببرود : " أنني لم أره هذا الصباح ." كان الغضب يتملكها كيف تجرؤ على اعتبار شعورها نحو كارلو تهافتاً ؟ أنها ليست طفلة أنها تحب كارلو وستبقى تحبه على الدوام .
وما الذي تعرفه بوتي عن الحب وعمرها خمسون عاماً ؟ واستدارت على عقبيها وقد رفعت كتفيها بعناد ، ومشت نحو الباب الرئيسي شاعرة بأشعة الشمس تلهب ساعديها ، بأن هذا النهار سيكون شديد الحرارة . وعادة في يوم كهذا كان يسرها أن تمضي عدة ساعات في الداخل والخارج عند حوض السباحة خلف المنزل ولكنها كانت من القلق بحيث لم تفكر بمثل هذا الامر .
هذا إلى أنها كانت في حاجة إلى أن ترى كارلو فهي لا يمكن أن تغامر بفقده مرة أخرى بعد عودته . فقد سبق وخططت لفكرة متكاملة لكي تكون معه وهذه الفكرة لا يمكن له أن يرفضها مطلقاً . وجلست على الدرجة الأخيرة التي تقود إلى الباب الرئيسي مسندة ظهرها إلى العمود ذي الأركان الذي ينتهي بقصريه يتدلى منها معرشاً ، نبات إبرة الراعي القرمزية وأخذت تستنشق شذاه العطر وقد صممت على إلا تتزحزح من مكانها هذا مهما طال الأمد عليها ولكنها ما لبثت ان رأت كارلو يظهر من بعيد متوجهاً إلى المنزل وتصاعدت خفاقات قلبها لدرجة أذهلتها ووقفت متصنعة الظهور بمظهر البرود والهدوء . أن كل شيء يعتمد على كيفية عرضها للدعوة فهي ستوجهها بصيغة تجعل من المستحيل عليه رفضها ، وأنه إذا فعل ذلك فسيكون قد تصرف بشكل فظ بالنسبة إلى ضيف عند أبيها .
وببطء ابتدأت تتقدم نحوه محاولة أن تظهر وكأن ليس ثمة ما يبهج في العالم اكثر من الجو الرائع هذا . ولكنها في داخلها كانت في منتهى الاضطراب ، فقد كان قلبها يخفق بشدة كادت تخنقها لأنه إذا رفض دعوتها هذه فستفقد آخر أمل في أن يحبها ولو قليلاً .
وسألته بصوت بارد : " هل استمتعت بنزهتك ؟ " ولم تكن تظهر شيئاً سوى الاهتمام المؤدب . فأجاب بإيجاز : " كثيراً جداً " ولم يظهر عليه ما اذا كان مسروراً برؤيتها أم لا . وتابع يسألها : " هل والدك هنا ؟ أنني في حاجة إلى الحديث أليه ."
قالت : " أنني لم أره هذا الصباح ." وتذكرت بشكل مبهم شيئاً قالته بوتي هذا الصباح عن تأخر والدها في غرفته على غير عادته ، ونبذت هذه الفكرة من رأسها على الفور , إذ أن هذا المشهد بأكمله بدا وكأنه يهرب منها بعيداً .
أسرع كارلو خطواته فاضطرت إلى الإسراع في خطواتها لكي تلحق به وبدا وكأن خطتها في طريقها إلى الفشل . وقالت تسأله : " هل تصنع معي معروفاً ؟ " وكانت أنفاسها تتلاحق وهي تسأله ذلك وقد تلاشت لهجة الدلال التي كانت تعتزم مخاطبته بها وذلك بإسراعه الخطى نحو المنزل .
عندئذ تجمد في مكانه ، وستدار ببطء لمواجهتها وهو يقول ذاهلاً يطمئنها بلهجة جادة مهذبة : " هذا طبيعي إذا كان في إمكاني ."
أرغمت نفسها على الثبات في مكانها . وسألها بعدم اكتراث وعلى شفتيه ابتسامة جافة وهو يدس يديه في جيبي بنطاله : " حسناً ؟ " فقالت : " أنني ... "
وتبخر من ذهنها كل ما أعدته من كلام ولكي تتمالك نفسها ، تنفست بعمق وهي تراقبه شاعرة بالظفر وهي تراه يتأملها .
قالت وهي ترتجف قليلاً : " حسناً في الواقع أن إحدى صديقاتي ستقيم حفلة هذه الليلة في فندق سافوي وقد وعدتها بالمجيء وأنت تعرف كيف تكون .... " وهزت كتفيها قليلاً وهي تتابع : " أنني لا أريد أن أخيب أملها وأبي يخشى أن أضيع إذا ذهبت بمفردي فهل يمكن أن تسدي ألي جميلاً بأن تكون مرافقي ."
حبست أنفاسها وهي تتمنى قبوله وأخذت تراقب وجهه وقد اتسعت عيناها متوسلة دون وعي منها . وعضت على طرف لسانها بعصبية وهي تراقب توتر فمه ليقول بعد ذلك ببرودة : " أنني متأكد من أن الحفلة ستكون بهيجة . على كل حال بما أنني مسافر إلى روما غداً فأن وقتي هذا المساء مشغول جداً ."
نظرت إليه ذاهلة وقد بدا عليها الارتباك ، ثم توترت لهذه الجملة القاسية فهو لم يرفض طلبها فقط ، بل سيترك البلاد غداً . كيف يمكنها أن تحتمل هذا ؟ لقد كرهت هذا الضعف فيها وكرهته لتسببه في كل هذه الآلام لها .
وسمعته يقول برقة غريبة : " حاولي أن تعذريني يا فينيتيا بعد فترة قصيرة ، أسابيع قليلة وربما أيام .. ستنسين كل هذا . " وهز كتفيه وقد رقت ملامحه والتوت ابتسامته بعد أن عثر على الكلمات التي كان يبحث عنها ليقول متابعاً : " لماذا كل هذا الافتتان ؟ أنني كبير السن بالنسبة إليك وخشن وربما غير مرن انك شابة حلوة ورقيقة . اذهبي إلى حفلتك هذه الليلة واستمتعي بوقتك مع من هم في سنك . انسي أنك طلبت مني الذهاب معك ، وأنا سأفعل ذلك أيضاً قد تكون أكبر غلطة نقع فيها نحن الاثنان .... صدقيني ."
واحمر وجهها ثم شحب وهي تصرخ فيه : " أنني أكرهك ." واغرورقت عيناها بالدموع لتتساقط . بعد ذلك على وجنتيها وأنفها . ولم تهتم لذلك . فهو يعرف شعورها نحوه ولكنه اعتبره مجرد افتتان من تلميذة مدرسة ، مانحاً إياها مشاعر ضحلة أشبه بما يسبغه عليها فيما لو كانت مصابة بالزكام إنها لم تشعر من قبل بمثل هذه المذلة التي شعرت بها الآن ! وعادت تقول ثائرة : " كم أكرهك ."
فقال بابتسامة تحوي مزيجاً من الحنق والسخرية :" أذن فلا بد أنك شعرت بارتياح لعدم استجابتي لدعوتك أليس كذلك ؟ وأنا متأكد من أن كيرو الشاب يمكنه أن يقبل بمرافقتك إلى الحفلة هذا المساء ، رغم أنك يجب أن تأخذي حذرك منه فهو انتهازي للفرص ولا أظنه موضع ثقة تماماً رغم أن أباك يثق به إلى درجة انه يدفع له مبلغاً جيداً من النقود لكي يرافقك . "
ونظر إليها بعينيه السوداوين النفاذتين وتجمدت هي في مكانها وهي تراه كريهاً إلى هذا الحد . لقد حاول إذلالها ونجح في ذلك بسهولة كيف أمكنه أن يكذب بهذا الشكل فيقول أن سيمون يأخذ أجرة لقاء مرافقتها ؟ هل يعني أنه ليس ثمة رجل يقبل بالظهور معها إلا بأجرة مدفوعة ؟ ولم تصدقه فهي لم تستطع ذلك ومسحت الدموع عن وجهها بأناملها واندفعت تقول ثائرة وهي تصر على أسنانها : " لا أدري إذا كنت تعلم مبلغ سفالتك . هل تستمتع دوماً بإيذاء الناس هكذا ؟
وغطى جوابه صوت انسحاق الحصى تحت قدميها وهي تركض عائدة نحو المنزل وكانت من الانفعال وهي تدخل القاعة بحيث لم تلحظ والدها إلا بعد أن سمعت صوته يهتف بها قائلاً : " فيني .. لا تقلقي يا حبيبتي ولكن هل لك باستدعاء الدكتور فيلدينغ ؟ " .
وقفز قلب فينيتيا وهي ترى أباها فقد كان يقف على اسفل السلم مستنداً إلى الحاجز وهو ما يزال في معطفه المنزلي وقد غطى وجهه الشحوب والعرق .
وهتفت بصوت ممزق وهي تندفع نحوه : " أبي ... ما الذي حدث ؟ " وأمسكت بيده تضعها على وجنتها وقد ارتسم الفزع في عينيها الواسعتين .
فأجاب : " ربما لا شيء أكثر من وجع المعدة . " وارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة يطمئنها بها ولكنه لم يفلح في ذلك . ولأول مرة خلال هذا الأسبوع لم تشعر بوجود كارلو ولم تدرك أنه تبعها إلى المنزل إلا بعد أن سمعت صوته يقول بهدوء :" اتصلي حالاً بالطبيب يا فينيتيا ." تركت فينيتيا يد أبيها مرغمة وهي تتراجع إلى الخلف بساقين مرتجفتين محملقة في وجه كارلو الجامد تبحث في ملامح وجهه عما يطمئنها إلى أن كل شيء على ما يرام . لكنه لم يكن ينظر نحوها فقد يمعن النظر في وجه أبيها قبل أن يحمله دون صعوبة بين ذراعيه وهو يأمرها قائلاً :" لقد قلت حالاًَ يا فينيتيا . " وركضت نحو الهاتف شاعرة بذنب ومضت تطلب الرقم بأصابع مرتجفة وهي تنهش زاوية فمها في انتظار الرد من الطرف الآخر . ولا بد أن ما قالته لموظفة العيادة كان مفهوماً لان هذه أخبرتها أن الطبيب هو في طريقة إليهم . واستدارت لترى بوتي واقفه خلفها مباشرة وقد شحب وجهها وامتلأت عيناها بالقلق . وسألتها بسرعة : " هل هو قادم ؟ " أومأت فينيتيا برأسها بالإيجاب وقد منعتها غصة في حلقها من الكلام .
قالت مدبرة المنزل وقد بدا عليها الارتياح : " هذا حسن كل شيء سيكون على ما يرام إذن . " وكأن كل ما على الطبيب أن يفعل هو أن يلوح بالوصفة ليصبح كل شيء على ما يرام وتمنت لو أنها تملك مثل هذه الثقة العمياء .
ولا بد أن أفكارها هذه قد بدت على وجهها , لان بوتي تقدمت منها تزيح خصلة من شعرها عن جبينها وهي تقول بلطف تطمئنها : " أن الطبيب لن يتأخر كما أن كارلو معه لقد أخذه إلى المكتبة وطلب مني أن احضر له غطاء فاذهبي أليه الآن وامسكي بيده ... لماذا أنتِ واقفه ؟ " وحاولت فينيتيا أن تتمالك نفسها بينما ركضت بوتي لتحضر الغطاء أن ظهورها بهذا الشكل المضطرب سيزعج أباها حتماً . لم تمر بمثل هذا الموقف من قبل ، فقد كانت من حداثة السن وانعدام الخبرة بحيث لم تكن لتصدق إمكان حدوثه . لقد كان عمرها عدة شهور فقط عندما ماتت أمها بعد أن سقط بها الحصان ساحقاً ذلك الجسد الرشيق لتلك المرأة الشابة ولم تكن فينيتيا واعية لتلك المأساة . وقد بذل أبوها غاية الجهد لكي لا يجعلها تفتقد حنان ألام . فقد غمرها بما يكفي من الحب والعناية والصبر .
لقد تذكرت ألان , منظر وجهه عندما طلبت منه أن يشتري لها مهراً صغيراً وكانت في الحادية عشرة من عمرها آنذاك ولم تدرك في ذلك الحين أن ذلك التعبير إنما كان خوفاً .. لم تدرك ذلك إلا بعد سنوات حين جعلتها مهارتها في الفروسية تلجأ إلى المخاطرات . لتربط في ما بعد بين نظرة الألم في عيني أبيها تلك وبين موت أمها المفجع بقفزة من حصانها فوق البوابة . وهكذا ، كان افتراقها عن حصانها ( بليس ) هو اشد الظروف التي مرت بها إيلاما . بعد أن ادعت أمام أبيها أن رياضة الفروسية قد ابتدأت تسبب لها الملل ، وتستنفد كل طاقاتها ولكن نظرة الارتياح التي بدت في عيني أبيها كانت تستحق هذه التضحية منها وقد كان هذا أول تصرف غير أناني يصدر عنها داعية ألا يكون الأخير .
و شعرت بذنب وهي تتذكر كيف أنها في السنة التي سبقت تخرجها من المدرسة ، لم تهتم بأن تخطط لتعلم مهنة للمستقبل وضعت جانباً اقتراح أبيها بأن تلتحق بأعمال شركتهما مبتدئة في التدريب في كل أقسام الشركة لتصل إلى القمة .
أما ما كانت تريده وكان يكدره هو أن تمكث في المنزل ستة اشهر على الأقل تتسلى وتنال حظها من البهجة والمرح ، قبل أن تفكر جدياً في أمر مستقبلها فهي تستحق ذلك بعد حياة الدراسة .
كانت تعلم أنها خيبت أمله رغم عدم إظهاره ذلك أمامها و هاهي الآن تشعر بالندم لنظرتها العابثة هذه إلى الحياة اكثر مما كانت تتصور .
قطعت بوتي عليها تأملاتها هذه وهي تعود لتضع بين ذراعيها غطاء وهي تقول : " خذي له هذا بينما انتظر هنا حضور الطبيب لكي أصحبه إلى حيث أبيك ثم بعد ذلك أجهز الشاي لنا جميعاً . لعلك في حاجة إلى ذلك مثلي أنا ."
دفعت فينيتيا باب غرفة المكتبة وهي تتكلف الارتياح والثقة في مظهرها ، فأومأت بالتحية نحو كارلو الذي سألها :" حسناً هل الطبيب قادم ؟ " ثم التفتت نحو أبيها تسأله : " كيف حالك الآن ؟ " وأخذت تلف ساقيه بالغطاء وكان هو مستلقياً على المقعد المستطيل يبتسم لها قائلاً : " أشعر بتحسن أن الدكتور فيلدينغ سيثور علي لإضاعتي وقته . لقد بقيت في فراشي أملاً بأن تنتهي نوبة الألم تلك ، ولكنها استمرت وعندما يصل لن يكون للألم اثر كما يحدث عادة . " فقال كارلو وهو يتقدم ليقف أمامها : " أن ذلك واجبه حتى ولو انتهى الألم الآن فلا شك أن هناك سبباً له ." وأرخت فينيتيا أهدابها بسرعة مشيحة بوجهها بعيداً عن ذلك الإيطالي وقد نطقت ملامحها بشعور الذنب . فقد كانت بوتي أبدت ملاحظة عن تأخر أبيها في غرفته ولكنها لم تفكر في ذلك لحظة . فقد كانت مشغولة جداً بقضيتها مع كارلو وفي كيفية جعله يذهب معها ألي حفلة ناتاشا .
وأخذت تلوم نفسها فقد كان عليها أن تصعد إلى غرفة أبيها لتطمئن عليه بدلاً من أن تمضي وقتها في محاولة جذب رجل قد أضجرته بهيامها ، ولذي سخر منها بكل قسوة مثل قوله بان لا بد للرجل من أن يأخذ أجراً لكي يقبل بالظهور معها في مكان عام .
شعرت بالارتياح وهي تسمع صوت الطبيب ، وهرعت إلى الباب تستقبله وهي تشكره إذ رأت اللون يعود تدريجياً إلى وجه أبيها وبعد ساعة من وضع الرجل المسن في فراشه رافقت الطبيب إلى سيارته .
أخبرها الطبيب وهو يفتح باب سيارته الفولفو ليضع حقيبته على المقعد بجانبه بأن ما جرى لأبيها سببه التهاب الزائدة الدودية . وألقى نظرة على كارلو الذي كان قد لحق بهما وهو يقول : " لا شيء يستدعي الهلع ولكن استدعوني إذا عاد الألم وليبق على التغذية بالسوائل لمدة أربع وعشرين ساعة . وفي مدة يومين سيصبح في حالة ممتازة ." وعندما ابتعد ، قالت فينيتيا بصوت متوتر : " سأصعد لا طمئن عليه ." قال لها كارلو بعد أن اعترض طريقها : " كلا " وجمدت في مكانها وأغمضت عينيها خائفة من أن يرى مقدار المها ومذلتها ، ومقدار الحب الهائل الذي تكنه له في أعماقها . وتابع قائلاً : " لقد كان مستسلماً للنوم عندما تركته ، فقد أمضى ليلة مضطربة . وعدة ساعات من النوم الهادئ ستنفعه كثيراً وبجانب ذلك ... " ثم دار وجهها أليه وهو يتابع : " لقد وعدت بوتي بأن تتفقده من وقت لآخر وأن ترقبه جيدأ " كان قريباً منها لدرجة استطاعت معها أن تشعر بأنفاسه . و آسرها القرب منه كما خلب لبها و أذهلها ذلك الجمال الباهر لماذا لا يشعر بذلك هو أيضاً ؟ لماذا لا يشعر الرجل الوحيد الذي أحبته بشيء نحوها ما عدا السخط و الغضب أنها لا تستطيع البقاء معه هنا لحظة واحدة . فهذا كثير عليها احتماله ! وشعرت بشهقة عالية أوشكت أن تفلت منها فحاولت كبحها وهي تدير وجهها بعيداً عنه بينما تفجرت الدموع من عينيها لتنحدر على وجنتيها .
لقد رأى دموعها بطبيعة الحال فهو لا يفوته شيء وطبعاً سيبدأ بتعنيفها مرة أخرى ويدعوها بالطفلة انه تعلم انه سيفعل ذلك ، وحاولت بعصبية أن تتحكم بارتباكها الذي كان يفضحها ولكن لم يكن في صوته الأجش أي اثر للقسوة وهو يهمس :" لا تبكي . لقد مرت عليكِ ساعتان قلقتان حقاً ولكن كل شيء قد انتهى فان أباك اصبح في حالة حسنة تماماً وأنتِ تعانين الآن من ردة فعل وهذا كل شيء ."
كل شيء؟ وانطلقت شهقاتها الآن وهو يربت على ظهرها ، لقد كانت في نظره مجرد فراشة ملونة كما أن رحيله غداً كان يحطم قلبها . لم تكن تريده أن يبتعد عنها لينسحب مرة أخرى ، إلى ما وراء ذلك الحاجز . نعم لقد فعلت ذلك! وهو لن يتمكن بعد الآن من الادعاء بأنها مجرد طفلة تسبب له الضجر ، انه لن يدفعها عنه مرة أخرى .
ولكنه فعل ذلك بحركة مفاجئة جعلتها تترنح وهي تمعن النظر في توتر ملامحه المفاجئ ، بعينين تطل منهما الحيرة والألم . تراجع بسرعة إلى الخلف ، مما جعلها تشعر بفراغ مؤلم أحدث في حلقها غصة خانقة . واغرورقت عيناها الكبيرتان الشفافتان بالدموع وهي تحتج بصوت مختنق قائلة : " لا تدفعني بعيداً هكذا ."
أجاب : " انكِ محظوظة حيث أنني املك شيئاً من ضبط النفس ." قال ذلك وعيناه تحدقان في عينيها بعنف لم تر مثله من قبل ، وهو يتابع قائلاً وقد قطب حاجبيه الأسودين : " لو كنتِ أكبر مما أنتِ الآن بخمس سنوات لاختلفت الأمور ولكنك ما زلتِ طفلة ."
فصرخت بوحشية : " هذا غير صحيح ." واندفعت تقول دون تفكير وقد انهارت كبرياؤها : " إنني احبك يا كارلو فلا تتركني أرجوك لا تتركني ! "
سمعته يتنفس بشدة وهو يرد عليها بغيظ وشراسة : " انك تزعجيني إلى حد كبير أتدركين ماذا تفعلين بي ؟ أتدركين ذلك ؟ " ونظر إليها لحظة طويلة وقد توتر فمه ثم تراجع بسرعة عائداً نحو المنزل آخذاً معه قلبها المحطم المسكين .
استيقظت فينيتيا وهي تشعر بأنها تكاد تختنق ، والقلق يبلغ بها حد الألم . قذفت عنها الأغطية بانفعال ، على السجاد ومن ثم أخذت تدير حولها عينين متسعتين يرتسم فيهما الارتباك . ولكنها ما لبثت أن نحت جانباً ظنها في أنها كانت تعاني من كابوس بعد أن أدركت منشأ قلقها هذا . ليس السبب والدها بالتأكيد . آه إنها ما زالت تفكر في موقف ألامس المريع ولا شيء غير ذلك وما دام ولدها يتبع حمية السوائل هذا النهار ومرتاحاً من العمل عدة أيام ، فلا بأس عليه ولا بد لا لتهاب الزائدة الدودية ذاك أن يزول .
كانت جذور تعاستها موجودة عند حبيبها كارلو وجلست واضعة ذقنها على ركبتيها لآفة ذراعيها حولهما وقد انتشر شعرها الأسود الطويل في كل مكان .
بالرغم من إصرارها على تأكيد حبها فان الطريقة التي أخذت تتوسل بها إليه أن يبقى قد ألهبت ضميرها خزياً عندما تذكرت تفجرها العاطفي ذاك ، لقد كان مصمماً على السفر بعد ظهر هذا النهار .
بعد أن تركها مبتعداً عائداً نحو المنزل ، ساورها شعور بالوحدة والتعاسة كما لم تشعر به من قبل . ولم تعرف كيف تواجه ذلك الشعور المظلم باليأس ، خصوصاً عندما رأته يخرج لينطلق في الشارع بسيارته المستأجرة .
وأثناء الفترات التي كانت تتفقد فيها والدها ، بقيت تتسكع في أنحاء المنزل منتظرة عودة كارلو ، فتتمشى في الشرفة بقلق ، تحاول أن تحضر في ذهنها الكلام الذي ستقوله له عندما تراه مرة أخرى . لقد شعرت بأعصابها تتحطم لما جرى وللطريقة التي تصرفت بها .
ولكن الساعات امتدت طوال النهار الذي بدا وكأنه لا نهاية له ولم يظهر له اثر ولم تستطع هي أن تمس طبق السلطة الذي قدمته لها بوتي ولا طبق السمك المشوي اللذيذ الذي قدمته إليها للعشاء .
" لا بد انه يريد أن يرى المزيد من الأماكن قبل أن يرحل غداً ." كان هذا كلام بوتي الذي نطقت به بصوت جاف وهي ترفع عن المائدة طبق الطعام الذي عبثت فيه فينيتيا بشوكتها ، بينما عيناها مسمرتان على الكرسي الخالي أمامها .
اصطنعت ابتسامة باهتة وكانت هزة الهزيمة من كتفيها تغني عن كل جواب ، بينما تابعت بوتي بصوت أجش : " لا تبدي بهذا الشكل فهو ليس الرجل الوحيد في العالم ." شتمت فينيتيا نفسها لكونها شفافة بهذا الشكل ، وهي ترى مدبرة المنزل خارجة من الغرفة فقد جعلت من نفسها موضعاً لملاحظات بوتي وسخرية كارلو . لقد عرف شعورها نحوه حتى قبل أن تعترف له بأنها تحبه ، وفسره هو على أنها مجرد فتاة صبية مراهقة غير ناضجة .
ولكن بوتي كانت مخطئة ، فهو الرجل الوحيد الذي في إمكانها أن تحبه بمثل هذه العاطفة ولكن لم يجنِ أية فائدة كما أعلن ذلك صراحة وتملكتها التعاسة . إن عليها تقبل الامر الواقع بشكل ما وتحاول أن تحسن تصرفها معه عندما تراه ثانية ، وعلى ما ستقوله له . ولكنها ليست في حاجة إلى كل هذه المعاناة لتحطيم كرامتها لأنها عندما كانت مع أبيها الليلة الماضية كان كارلو هناك . لم ينظر إليها ،
عندما حضر إلى الغرفة سائلاً أباها عن صحته وقد شحب وجهها عندما قال : " إذا كنت متأكداً من أنك في طريق الشفاء فسأستقل الطائرة غداً إلى روماً كما اتفقنا ولكن إذا كان لديك أية مخاوف فان في استطاعتي إلغاء السفر والبقاء بجانبك ."
حبست فينيتيا أنفاسها راجية أن يطلب أبوها من كارلو البقاء ولكنه لم يفعل ، بل أجابه :" إنني بخير تماماً وعندما انتهي من فترة التجويع هذه سأعود رجلاً جديداً وقد طلبت من سيمون كيرو الحضور إلى هنا هذا الصباح لينوب عني في غيابي ليومين أو ثلاثة وهكذا ليس من الضروري أن تغير خطة سفرك لمجرد أنني عانيت من وجع في المعدة إذ لا ضرورة لذلك مطلقاً ."
قال كارلو : " إذا كنت متأكداً .. " هل هي علامات ارتياح تلك التي بدت على ملامحه ؟ وتصلبت شفتاه وهو يضيف قائلاً : " بعد تفكير عميق وصلت إلى قرار مهم أحب أن ابحثه معك غداً صباحاً بعد أن تنتهي من رؤية كيرو ."
فأشار أبوها إلى الكرسي الكبير المقابل لسريره العريض القديم الطراز وهو يسأله باسماً : " ولماذا ليس الآن ؟ " وبحركة غير إرادية كما بدا لفينيتيا ، تحولت العينان السوداوان أ خيراً إلى ناحيتها ثم عادتا إلى أبيها فوراً وهو يقول بتلك اللكنة الخلابة في صوته : " من الأفضل إرجاء ذلك إلى الغد ."
إذن فقد توصل إلى قرار ما ... طبعاً بشأن العمل وهل هناك شيء غيره ؟ ثم رفض أن يتحدث عنه أمامها . وشعرت فينيتيا بالألم وهي تفكر في ذلك . انه لن يتحدث عن أي شيء ذي أهمية في حضورها فهو يظنها مراهقة .
وبقيت أنظارها على يديها المتقبضتين في حجرها ، أثناء لحظة الصمت التي سبقت خروجه من الغرفة ، لتخرج هي نفسها بعده بقليل قاصدة غرفتها وقد شملها الوهن للضربات التي وجهها إليها . سواء قصد ذلك أم لا .
ولم يكن شعورها ، هذا الصباح بأفضل منه ليلة أمس ، وأزاحت شعرها عن عينيها وهي تنظر حلوها ببلادة ، لقد صممت منذ سنة على تجديد غرفتها هذه حسب ذوقها فغيرت ورق الجدران ، والسجادة الوردية الباهتة وكذلك الستائر الوردية . اصبح الأثاث باللون الأسود وباستثناء السجادة البيضاء كل شيء كان قرمزي اللون . وتذكرت كيف غمرتها البهجة في ذلك الحين و الآن وهي تشعر بتباشير يوم صيف حار آخر . أخذت تتذكر بأسى أيامها الماضية وانتقالها السريع الرائع من عهد الحداثة وكل تلك الثقة بالنفس التي حطمها وقوعها في حب من لا يرحب بحبها . وعندما تركت سريرها في النهاية لتأخذ حماماً وجدت نفسها ترتجف . إن كارلو سيرحل هذا النهار ، ومن غير المحتمل أن يتقابلا مرة أخرى . ذلك أن أباها وسيمون كان فيهما منتهى الكفاءة لأدارة الشركة التي يملك أسهماً فيها . فقد استمرت سنوات دون أن تفعل أسرة روسي شيئاً سوى اخذ حصتها من الأرباح . هذا إلى انه يدير مختلف أعمال شركة روسي بمفرده بعد أن اكتفى والده بالمركز الثاني فيها نظراً لتأخر صحته وهذا يجعل زيارته لإنكلترا مرة أخرى غير محتملة
وأخذت ترتدي معطف الحمام وهي تتساءل وقد استبدت بها التعاسة عما إذا كان سيتذكرها أحياناً ، ثم قررت أنه لن يفعل ذلك إذ سرعان ما ستنسيه السيدات اللواتي في انتظاره كما خمنت بوتي ، فينيتيا التلميذة الصغيرة التي ضايقته بحبها .
وبعدم اكتراث بمظهرها ، ارتدت بنطالاً من جينز والقميص المدرسي الوحيد الذي لم تمزقه بوتي قطعاً لتمسح به الأثاث ، ثم خرجت قاصدة غرفة أبيها وكانت بوتي قد سبق وأحضرت له إبريقاً من العصير الطازج كما كان سريره مغطى بالأوراق والملفات وسألته باهتمام وهي ترفع شعرها الطويل اللامع إلى الخلف متمنية لو كان عندها وقت لتضفيره لان هذا النهار سيكون شديد الحرارة .
قائلة : " هل من الضروري أن تعمل الآن ؟ " فأجاب وهو يحدق فيها من فوق نظارته : " إنني لا اعمل و إنما أحاول تنظيمها لتيسير فهمها على سيمون عندما يصل . أتريدين أن تطلبي منه البقاء للغداء لتتسلي بصحبته ؟ " .
هناك رجل واحد تريد صحبته ولكن المشكلة انه لم يكن يريد ذلك وهزت رأسها نفياً بصمت فقطب والدها حاجبيه قائلاً : " يبدو عليك الوهن ماذا جرى ؟ هل ما زلت قلقة علي ؟ إنني بخير الآن ."
قالت كاذبة : " انه الجو الحار ." وتساءلت عما إذا كانت ستعود إلى بهجتها وطبيعتها المرحة مرة أخرى . حين كانت مليئة بالحيوية لا يشغل بالها شيء . ولم تستطع أن تتصور ذلك .
قال : " اذهبي إذن وانتعشي في مياه حوض السباحة فان سيمون يعرف طريق غرفتي كما أن كارلو مشغول في غرفة المكتبة يعد التقارير . وهكذا يمكنك أن تمضي وحدك صباحاً مسلياً تسترخين فيه ." وعندما عادت إلى غرفتها فكرت في أن رأي والدها لا بأس به ، فهي لن تجعل من نفسها سخرية مرة أخرى . عليها أن تبتعد عن طريق كارلو إذ ليس ثمة فائدة من المصالحة معه لأنه إذا جاء سيمون وذهب فان كارلو سيذهب إلى غرفة أبيها لمناقشة أعمالهما ومن ثم يذهب إلى المطار والى ذلك الوقت ستغيب عن الأنظار ، وحوض السباحة كان في الفناء المسور القديم وهو المكان المناسب للاختفاء ، كانت مياه الحوض باردة منعشة وبعثت فيها عدة أشواط من السباحة ، النشاط قبل أن تستدير لتسبح على ظهرها وفكرت أنها لو ركزت ذهنها في البقاء بهذا الوضع فربما يكون في إمكانها أن تستعيد شيئاً من ضبط النفس تتمكن به من وداع كارلو تحية الوداع بعد ساعة أو ساعتين ..
وشعرت لدى تفكيرها في أنها ستقول له وداعاً بمثل طعنة السكين في فؤادها ما جعلها تصر على أسنانها كما جعل ركبتيها تصطكان ووجدت نفسها بعده تنحدر إلى أعماق الحوض ذي الستة أقدام عمقاً ولم يهمها فيما لو لم تصعد بعدها أبداً . ولكنها ما لبثت إن صعدت إلى سطح الماء ثم مسحت الماء عن عينيها لترى سيمون من بعيد تظهره الشمس من خلفه خيالاً أسود . وتمنت لو تنزل إلى أسفل الحوض مرة أخرى فقد كانت من الكآبة بحيث لم تشعر برغبة في التحدث إلى أي إنسان . وجاءها صوته مازحاً متقطعاً وكأنما كان يركض وهو يقول : " ما أحسن هذا ليتني أستطيع السباحة ."
فردت عليه وهي تصعد درجات الحوض لكي تبتعد عن هذا المكان بعد أن افسد عليها هذه المسرة الضئيلة بحدة قائلة : " وما الذي يجعلك تعتقد أنني أرحب بهذا ؟ "
وخطت على الأرض المبلطة وقد علاها العبوس وذلك آن تصرفات سيمون في المرتين الأخيرتين اللتين خرجا فيهما معاً لم تكن سليمة وكانت ألفاظه أحيانا غير مهذبة كما تحب . وقد سكتت على مضض لان الخيار الآخر الذي كان أمامها هو أن تبقى في البيت محرومة من المرح ولا ترى أياً من أصدقائها . إنها في المستقبل ستفضل مسرورة البقاء في المنزل إلى أن تستطيع إقناع أبيها بأنها ستكون آمنة في خروجها بدون مرافق يختاره لها ... ويمكن عند ذاك لسيمون أن يفتش عن فتاة أخرى ينشب فيها مخالبه فقد تعبت هي من الاستمرار في دفعه عنها على الدوام .
في بداية خروجهما معاً ، كانت تراه مثالاً للمرافق المهذب كما ينبغي أن يكون وذلك في مراعاته واهتمامه و فكآهاته وحمايته لها . ولكنه مؤخراً اصبح يظهر رغباته بشكل مناف للذوق ، مما جعل خروجهما يقتصر على المصارعة بينهما هجوماً ودفاعاً بدلاً من أن يكون فترة بهيجة كالقصد منها . ولو أن بذرة من الشك راودت أباها في ما يجري بينهما ، لنسف كل شيء حتماً .
وصرخت به غاضبة : " هل يعرف أبي انك هنا ؟ هل هو يعرف ما تعتزم عمله ؟" فرد عليها متبرماً : " آه هيا ، تعالي . لقد سبق ورأيت أباك وأخذت كل الأوامر منه كأي موظف جيد . فما الخطاء في أن نتسلى معاً ، هذا إلى ذلك الرجل المسيطر السيد روسي هو معه الآن ... وهذا سيشغله فترة طويلة انك تعرفين ما هو شعوري نحوك فلا تدعي انكِ غير مستعدة لذلك ." واجهته ثائرة وهي تقول بعنف وعيناها تحذرانه من أن يتقدم نحوها خطوة واحدة : " انك تثير اشمئزازي فإذا بدر منك أي تصرف شائن فسأصرخ لأبي ليأتي ويطردك حالاً ." واستدارت بسرعة لكي تبتعد فقط عن وجوده الكريه وعينيه الوقحتين دون أن يخطر ببالها انه سيندفع خلفها بسرعة ليشدها من شعرها ليمسك بها ، يديرها إليه مما افقدها توازنها وهو يزمجر في أذنها : " في الوقت الذي انتهي فيه منك بعد أن تذوقي ما يدفعني إلى كل هذا سيكون طردي هو ابعد شيء عن ذهنك وهذا وعد مني لكِ ." وكان أقوى منها كثيراً
بينما كانت تشهق مرتجفة إذا بها تسمع من خلال الغشاوة الحمراء أمام عينيها المغمضتين صوت كارلو روسي يقول بخشونة وسخرية : " إنني لا اعتذر عن تطفلي هذا فأنا في الواقع مسرور لهذا التطفل ." وعندما فتحت عينيها على اتساعهما هلعاً وقبل أن تبدأ بتبرئة نفسها ، سمعته يقول بصوته العميق المفعم بالتهكم : " لا تكلفا نفسيكما عناء النهوض يا أولاد فان في إمكاني السفر دون حاجة للوداع ." ومرة أخرى أخذت تلاحقه بأنظارها وهو يرحل نهائياً .
لكن الامر لم يكن سهلاً , فقد كان لكارلو روسي إرادة حديدية لقد تتابعت الأيام وهو رافض لكل اقتراحاتها عليه بالخروج للتجوال في أنحاء المنطقة وذلك بابتسامة هازئة مفضلاً كما يبدو قضاء الوقت بمكتب والدها ، ليعود معه عند المساء ، تاركاً فينيتيا تضرب بقدمها الأرض ثائرة .
وأثناء وجبات العشاء الطويلة البطيئة التي كانت تدوم طوال المساء , كان يحرص على أن يكون حديثه إليها بالغ الأدب وعندما لا يتحدث عن العمل فقد كان يتحدث عن بلاده مذكراً أباها بجذوره المنسية .
ولكن فينيتيا لم تفقد الأمل فقد كانت تفاجئه أحيانا وهو يرمقها بنظرات حيرى وبما أنه كان يقيم حاجزاً بينه وبينها فقد اصبح همها أن تخترق هذا الحاجز .
أن كل يوم كان يمر وكل ساعة منه كانا يقويان حبها ورغبتها فيه . لم يكن يهمها أي شيء آخر فقد تعمقت مشاعرها تجاهه في نفسها حتى شملت كيانها كله . و لأول مره في حياتها لم تحصل على ما تريد .
خرجت بوتي إليها تخبرها بأن ثمة مكالمة هاتفية لها ، وكانت هي تجلس في الشرفة تضرب بقدمها الأرض ساخطة . لقد استيقظت هذا الصباح فارتدت بنطالاً وقميصاً مقفولاً ، كان هذا اليوم هو السبت فهو لن يذهب مع أبيها إلى المكتب ، ولهذا صممت على أن تقنعه بأن يقضي الوقت معها ، إما بالنزهة أو بالخروج إلى المطاعم والمقاهي أو بآي شيء آخر .... ولكنه سبب لها صدمة بالغة عندما علمت من بوتي أنه قد سبق وخرج من المنزل منذ ساعة لكي يتفرج على هذه الأنحاء من الريف .
وبقيت في الشرفة تلعن نفسها لاستغراقها في النوم حتى السابعة بينما لو كانت خرجت من غرفتها قبل ذلك بساعة لأمكنها أن ترافقه لقد كان رجلاً صعباً حقاًَ كيف يمكنها أن تخترق ذلك الحاجز إذا هو رفض البقاء مدة أطول لكي تتمكن من المحاولة ؟
عندما دخلت غرفة المكتبة لتلقي المكالمة ، كانت أفكارها مشغولة تماماً بكارلو روسي وعبست وهي تسمع صوت سيمون الهادئ الرقيق يقول : " آسف لإزعاجك . ولكنني أريد أن اثبت موعدنا لهذه الليلة ." فرددت كلامه دون أن تفهم وهي ترد خصلة من شعرها إلى خلف أذنها قائلة :" هذه الليلة ؟؟ "
أجابها مرحاً : " الليلة يصادف ذكرى مولد صديقتك الثامن عشر هل تذكرتِ ؟ متى آتي لاصطحابك ؟ "
فقالت : " آه تلك الحفلة . " كانت قد نسيت كل شيء عن حفلة ناتاشا . وما كانت عادة لتغفل عن مثل هذه المناسبة ولكن بالنسبة إلى ظروفها غير العادية الآن ليس ثمة شيء يمكنه أن يبعدها عن منزلها مهماً كانت الحفلة رائعة ، فالأمل كان ضعيفاً ورغم هذا فأنها تفضل قضاء الوقت مع كارلو .
وقالت تجيبه : " لقد غيرت رأيي ." واستطردت عندما ساد الصمت الطرف الآخر من الخط لتقول : " أنني آسفة كان علي أن أخبرك قبل ألان ولكن عندنا ضيف في البيت وأنا مشغولة تماماً بالعناية به لابد أنك قابلته انه كارلو روسي .." حتى ذكر اسمه على لسانها يرسل في نفسها الشوق إليه . وتابعت تقول بصوت متقطع : " لقد كان يتبع أبي إلى المكتب كل يوم ."
أطلق سيمون ضحكة قصيرة هازئة وهو يجيب : " انه لا يتبع أحداً انه هو الذي يجر كل شخص خلفه لقد قلب شبكة الأقسام كلها رأساً على عقب ودقق في جميع الحسابات بعدسة مكبرة جاعلاً كل شخص هنا يعمل بأقصى طاقته ."
فقالت تسأله وقد تألقت عيناها : " هل إمكانه أن يقوم بكل ذلك ؟ " ولم تكن تشك في مقدرته على استلام المسؤولية أينما كان . فقد كانت هالة الثقة بالنفس والسيادة التي تحيط به هي من جملة المميزات التي جذبتها أليه .
أجابها سيمون بجفاء : " عليك أن تصدقي ذلك لقد تنازل له والده عن الأسهم التسعة والأربعين التي يملكها في فرع الشركة في بريطانيا مما منحه سلطة كبرى إلى جانب انه نفسه ، شخصية مسيطرة ذلك أن نظرة واحدة منه تحمل كل شخص على اتباع الطريق . فانتبهي ."
وتابع بحقد : " لا جدال في أن إمكانيته على التنظيم فريدة فهو يجد الحل للمشكلة حتى قبل أن يدرك أي واحد منا أن ثمة مشكلة أصلاً ."
كان في إمكان فينيتيا أن تستمر في سماع مثل هذا الحديث لساعات طويلة ولكن سيمون كان له رأي آخر فعاد يسألها : " هل أنتِ متأكدة بالنسبة لهذه الليلة ؟ سيكون هناك الكثير من المرح والتسلية ويمكننا فيما بعد أن نذهب إلى المطعم وليس من الضروري أن يعرف العجوز متى تنتهي حفلة صديقتك ."
ولوت فينيتيا ملامح وجهها عابسة قبل أن تقفل السماعة في وجهه وهي تقول : " ويحك ."
لقد تجاوز سيمون بغروره الحدود حقاً فقد كان عليه أن يدرك أنها تتجاوز محاولاته لتقربها أليه وذلك إذ تقابلها بالهزء فقط لأنها إذا تركته فأنه يتعين عليها البقاء في البيت بعيدة عن كل مرح و تسلية إلى آن يجد لها والدها مرافقاً آخر يمكن أن يثق بسلوكه تجاه ابنته الغالية .
ولكن إذا هو ابتدأ يبدي عدم الاحترام لأبيها بأن يدعوه بالعجوز وعارضاً عليها أن يخدعاه فهي على استعداد لان تلقي به بعيداً دون أسف مفضلة على ذلك البقاء في البيت . ثم آن كارلو هو الرجل الوحيد الذي تريد ان تكون معه وحنت كتفيها وهي تخرج من غرفة المكتب .
وفجأة توقفت عن السير في منتصف القاعة الفسيحة بعد أن طرأت في ذهنها فكرة بناءة فكرة صائبة لا يمكن أن تخيب . لاحت على شفتيها ابتسامة وتألقت عيناها وقد عاودتها الثقة بنفسها التي افتقدتها منذ أيام . واستدارت إلى بوتي التي كانت داخلة من الباب الأمامي تاركة إياه مفتوحاً لكي تدخل الشمس الدافئة فقد كانت تنظف مقبض الباب النحاسي ، استدارت إليها قائلة : " هل ذكر كارلو الوقت الذي سيعود فيه ؟ "
قالت بوتي : " لم يذكر شيئاً ولم أسأله ولكنه يمكن أن يكون هنا في موعد الغداء تقريباً . " وحملت الصندوق الذي يحوي أدوات التنظيف تحت إبطها وهي تتابع قائلة : " ولهذا لو كنت مكانك لما بقيت أطوف طوال الصباح في انتظاره ثم عندي نصيحة لك وهي ألا تظهري تهافتك عليه فما أسرع ما تنسين هذا كله وترين نفسك أنك حمقاء وستندمين على الأوقات التي كنت تدورين فيها حوله ."
وعندما رأت الثورة على وجه فينيتيا الشاحب لطفت من لهجتها وهي تتابع قولها : " أن الذي سيتضرر في النهاية هي كرامتك يا حبيبتي أنني أدرك مبلغ جاذبيته وأية امرأة تنكر هذا ؟ ولكن عدا أنه كبير السن بالنسبة إليك ربما لديه ألان نصف دزينة من النساء الجميلات هن في انتظار عودته و ألان ..." و ألقت نظرة على ساعة الجدار وهي تتابع : " أنها التاسعة والنصف . ألم ينزل والدك من غرفته بعد ؟ ليس من عادته أن يتأخر في سريره إلى هذا الوقت ."
فأجابت فينيتيا ببرود : " أنني لم أره هذا الصباح ." كان الغضب يتملكها كيف تجرؤ على اعتبار شعورها نحو كارلو تهافتاً ؟ أنها ليست طفلة أنها تحب كارلو وستبقى تحبه على الدوام .
وما الذي تعرفه بوتي عن الحب وعمرها خمسون عاماً ؟ واستدارت على عقبيها وقد رفعت كتفيها بعناد ، ومشت نحو الباب الرئيسي شاعرة بأشعة الشمس تلهب ساعديها ، بأن هذا النهار سيكون شديد الحرارة . وعادة في يوم كهذا كان يسرها أن تمضي عدة ساعات في الداخل والخارج عند حوض السباحة خلف المنزل ولكنها كانت من القلق بحيث لم تفكر بمثل هذا الامر .
هذا إلى أنها كانت في حاجة إلى أن ترى كارلو فهي لا يمكن أن تغامر بفقده مرة أخرى بعد عودته . فقد سبق وخططت لفكرة متكاملة لكي تكون معه وهذه الفكرة لا يمكن له أن يرفضها مطلقاً . وجلست على الدرجة الأخيرة التي تقود إلى الباب الرئيسي مسندة ظهرها إلى العمود ذي الأركان الذي ينتهي بقصريه يتدلى منها معرشاً ، نبات إبرة الراعي القرمزية وأخذت تستنشق شذاه العطر وقد صممت على إلا تتزحزح من مكانها هذا مهما طال الأمد عليها ولكنها ما لبثت ان رأت كارلو يظهر من بعيد متوجهاً إلى المنزل وتصاعدت خفاقات قلبها لدرجة أذهلتها ووقفت متصنعة الظهور بمظهر البرود والهدوء . أن كل شيء يعتمد على كيفية عرضها للدعوة فهي ستوجهها بصيغة تجعل من المستحيل عليه رفضها ، وأنه إذا فعل ذلك فسيكون قد تصرف بشكل فظ بالنسبة إلى ضيف عند أبيها .
وببطء ابتدأت تتقدم نحوه محاولة أن تظهر وكأن ليس ثمة ما يبهج في العالم اكثر من الجو الرائع هذا . ولكنها في داخلها كانت في منتهى الاضطراب ، فقد كان قلبها يخفق بشدة كادت تخنقها لأنه إذا رفض دعوتها هذه فستفقد آخر أمل في أن يحبها ولو قليلاً .
وسألته بصوت بارد : " هل استمتعت بنزهتك ؟ " ولم تكن تظهر شيئاً سوى الاهتمام المؤدب . فأجاب بإيجاز : " كثيراً جداً " ولم يظهر عليه ما اذا كان مسروراً برؤيتها أم لا . وتابع يسألها : " هل والدك هنا ؟ أنني في حاجة إلى الحديث أليه ."
قالت : " أنني لم أره هذا الصباح ." وتذكرت بشكل مبهم شيئاً قالته بوتي هذا الصباح عن تأخر والدها في غرفته على غير عادته ، ونبذت هذه الفكرة من رأسها على الفور , إذ أن هذا المشهد بأكمله بدا وكأنه يهرب منها بعيداً .
أسرع كارلو خطواته فاضطرت إلى الإسراع في خطواتها لكي تلحق به وبدا وكأن خطتها في طريقها إلى الفشل . وقالت تسأله : " هل تصنع معي معروفاً ؟ " وكانت أنفاسها تتلاحق وهي تسأله ذلك وقد تلاشت لهجة الدلال التي كانت تعتزم مخاطبته بها وذلك بإسراعه الخطى نحو المنزل .
عندئذ تجمد في مكانه ، وستدار ببطء لمواجهتها وهو يقول ذاهلاً يطمئنها بلهجة جادة مهذبة : " هذا طبيعي إذا كان في إمكاني ."
أرغمت نفسها على الثبات في مكانها . وسألها بعدم اكتراث وعلى شفتيه ابتسامة جافة وهو يدس يديه في جيبي بنطاله : " حسناً ؟ " فقالت : " أنني ... "
وتبخر من ذهنها كل ما أعدته من كلام ولكي تتمالك نفسها ، تنفست بعمق وهي تراقبه شاعرة بالظفر وهي تراه يتأملها .
قالت وهي ترتجف قليلاً : " حسناً في الواقع أن إحدى صديقاتي ستقيم حفلة هذه الليلة في فندق سافوي وقد وعدتها بالمجيء وأنت تعرف كيف تكون .... " وهزت كتفيها قليلاً وهي تتابع : " أنني لا أريد أن أخيب أملها وأبي يخشى أن أضيع إذا ذهبت بمفردي فهل يمكن أن تسدي ألي جميلاً بأن تكون مرافقي ."
حبست أنفاسها وهي تتمنى قبوله وأخذت تراقب وجهه وقد اتسعت عيناها متوسلة دون وعي منها . وعضت على طرف لسانها بعصبية وهي تراقب توتر فمه ليقول بعد ذلك ببرودة : " أنني متأكد من أن الحفلة ستكون بهيجة . على كل حال بما أنني مسافر إلى روما غداً فأن وقتي هذا المساء مشغول جداً ."
نظرت إليه ذاهلة وقد بدا عليها الارتباك ، ثم توترت لهذه الجملة القاسية فهو لم يرفض طلبها فقط ، بل سيترك البلاد غداً . كيف يمكنها أن تحتمل هذا ؟ لقد كرهت هذا الضعف فيها وكرهته لتسببه في كل هذه الآلام لها .
وسمعته يقول برقة غريبة : " حاولي أن تعذريني يا فينيتيا بعد فترة قصيرة ، أسابيع قليلة وربما أيام .. ستنسين كل هذا . " وهز كتفيه وقد رقت ملامحه والتوت ابتسامته بعد أن عثر على الكلمات التي كان يبحث عنها ليقول متابعاً : " لماذا كل هذا الافتتان ؟ أنني كبير السن بالنسبة إليك وخشن وربما غير مرن انك شابة حلوة ورقيقة . اذهبي إلى حفلتك هذه الليلة واستمتعي بوقتك مع من هم في سنك . انسي أنك طلبت مني الذهاب معك ، وأنا سأفعل ذلك أيضاً قد تكون أكبر غلطة نقع فيها نحن الاثنان .... صدقيني ."
واحمر وجهها ثم شحب وهي تصرخ فيه : " أنني أكرهك ." واغرورقت عيناها بالدموع لتتساقط . بعد ذلك على وجنتيها وأنفها . ولم تهتم لذلك . فهو يعرف شعورها نحوه ولكنه اعتبره مجرد افتتان من تلميذة مدرسة ، مانحاً إياها مشاعر ضحلة أشبه بما يسبغه عليها فيما لو كانت مصابة بالزكام إنها لم تشعر من قبل بمثل هذه المذلة التي شعرت بها الآن ! وعادت تقول ثائرة : " كم أكرهك ."
فقال بابتسامة تحوي مزيجاً من الحنق والسخرية :" أذن فلا بد أنك شعرت بارتياح لعدم استجابتي لدعوتك أليس كذلك ؟ وأنا متأكد من أن كيرو الشاب يمكنه أن يقبل بمرافقتك إلى الحفلة هذا المساء ، رغم أنك يجب أن تأخذي حذرك منه فهو انتهازي للفرص ولا أظنه موضع ثقة تماماً رغم أن أباك يثق به إلى درجة انه يدفع له مبلغاً جيداً من النقود لكي يرافقك . "
ونظر إليها بعينيه السوداوين النفاذتين وتجمدت هي في مكانها وهي تراه كريهاً إلى هذا الحد . لقد حاول إذلالها ونجح في ذلك بسهولة كيف أمكنه أن يكذب بهذا الشكل فيقول أن سيمون يأخذ أجرة لقاء مرافقتها ؟ هل يعني أنه ليس ثمة رجل يقبل بالظهور معها إلا بأجرة مدفوعة ؟ ولم تصدقه فهي لم تستطع ذلك ومسحت الدموع عن وجهها بأناملها واندفعت تقول ثائرة وهي تصر على أسنانها : " لا أدري إذا كنت تعلم مبلغ سفالتك . هل تستمتع دوماً بإيذاء الناس هكذا ؟
وغطى جوابه صوت انسحاق الحصى تحت قدميها وهي تركض عائدة نحو المنزل وكانت من الانفعال وهي تدخل القاعة بحيث لم تلحظ والدها إلا بعد أن سمعت صوته يهتف بها قائلاً : " فيني .. لا تقلقي يا حبيبتي ولكن هل لك باستدعاء الدكتور فيلدينغ ؟ " .
وقفز قلب فينيتيا وهي ترى أباها فقد كان يقف على اسفل السلم مستنداً إلى الحاجز وهو ما يزال في معطفه المنزلي وقد غطى وجهه الشحوب والعرق .
وهتفت بصوت ممزق وهي تندفع نحوه : " أبي ... ما الذي حدث ؟ " وأمسكت بيده تضعها على وجنتها وقد ارتسم الفزع في عينيها الواسعتين .
فأجاب : " ربما لا شيء أكثر من وجع المعدة . " وارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة يطمئنها بها ولكنه لم يفلح في ذلك . ولأول مرة خلال هذا الأسبوع لم تشعر بوجود كارلو ولم تدرك أنه تبعها إلى المنزل إلا بعد أن سمعت صوته يقول بهدوء :" اتصلي حالاً بالطبيب يا فينيتيا ." تركت فينيتيا يد أبيها مرغمة وهي تتراجع إلى الخلف بساقين مرتجفتين محملقة في وجه كارلو الجامد تبحث في ملامح وجهه عما يطمئنها إلى أن كل شيء على ما يرام . لكنه لم يكن ينظر نحوها فقد يمعن النظر في وجه أبيها قبل أن يحمله دون صعوبة بين ذراعيه وهو يأمرها قائلاً :" لقد قلت حالاًَ يا فينيتيا . " وركضت نحو الهاتف شاعرة بذنب ومضت تطلب الرقم بأصابع مرتجفة وهي تنهش زاوية فمها في انتظار الرد من الطرف الآخر . ولا بد أن ما قالته لموظفة العيادة كان مفهوماً لان هذه أخبرتها أن الطبيب هو في طريقة إليهم . واستدارت لترى بوتي واقفه خلفها مباشرة وقد شحب وجهها وامتلأت عيناها بالقلق . وسألتها بسرعة : " هل هو قادم ؟ " أومأت فينيتيا برأسها بالإيجاب وقد منعتها غصة في حلقها من الكلام .
قالت مدبرة المنزل وقد بدا عليها الارتياح : " هذا حسن كل شيء سيكون على ما يرام إذن . " وكأن كل ما على الطبيب أن يفعل هو أن يلوح بالوصفة ليصبح كل شيء على ما يرام وتمنت لو أنها تملك مثل هذه الثقة العمياء .
ولا بد أن أفكارها هذه قد بدت على وجهها , لان بوتي تقدمت منها تزيح خصلة من شعرها عن جبينها وهي تقول بلطف تطمئنها : " أن الطبيب لن يتأخر كما أن كارلو معه لقد أخذه إلى المكتبة وطلب مني أن احضر له غطاء فاذهبي أليه الآن وامسكي بيده ... لماذا أنتِ واقفه ؟ " وحاولت فينيتيا أن تتمالك نفسها بينما ركضت بوتي لتحضر الغطاء أن ظهورها بهذا الشكل المضطرب سيزعج أباها حتماً . لم تمر بمثل هذا الموقف من قبل ، فقد كانت من حداثة السن وانعدام الخبرة بحيث لم تكن لتصدق إمكان حدوثه . لقد كان عمرها عدة شهور فقط عندما ماتت أمها بعد أن سقط بها الحصان ساحقاً ذلك الجسد الرشيق لتلك المرأة الشابة ولم تكن فينيتيا واعية لتلك المأساة . وقد بذل أبوها غاية الجهد لكي لا يجعلها تفتقد حنان ألام . فقد غمرها بما يكفي من الحب والعناية والصبر .
لقد تذكرت ألان , منظر وجهه عندما طلبت منه أن يشتري لها مهراً صغيراً وكانت في الحادية عشرة من عمرها آنذاك ولم تدرك في ذلك الحين أن ذلك التعبير إنما كان خوفاً .. لم تدرك ذلك إلا بعد سنوات حين جعلتها مهارتها في الفروسية تلجأ إلى المخاطرات . لتربط في ما بعد بين نظرة الألم في عيني أبيها تلك وبين موت أمها المفجع بقفزة من حصانها فوق البوابة . وهكذا ، كان افتراقها عن حصانها ( بليس ) هو اشد الظروف التي مرت بها إيلاما . بعد أن ادعت أمام أبيها أن رياضة الفروسية قد ابتدأت تسبب لها الملل ، وتستنفد كل طاقاتها ولكن نظرة الارتياح التي بدت في عيني أبيها كانت تستحق هذه التضحية منها وقد كان هذا أول تصرف غير أناني يصدر عنها داعية ألا يكون الأخير .
و شعرت بذنب وهي تتذكر كيف أنها في السنة التي سبقت تخرجها من المدرسة ، لم تهتم بأن تخطط لتعلم مهنة للمستقبل وضعت جانباً اقتراح أبيها بأن تلتحق بأعمال شركتهما مبتدئة في التدريب في كل أقسام الشركة لتصل إلى القمة .
أما ما كانت تريده وكان يكدره هو أن تمكث في المنزل ستة اشهر على الأقل تتسلى وتنال حظها من البهجة والمرح ، قبل أن تفكر جدياً في أمر مستقبلها فهي تستحق ذلك بعد حياة الدراسة .
كانت تعلم أنها خيبت أمله رغم عدم إظهاره ذلك أمامها و هاهي الآن تشعر بالندم لنظرتها العابثة هذه إلى الحياة اكثر مما كانت تتصور .
قطعت بوتي عليها تأملاتها هذه وهي تعود لتضع بين ذراعيها غطاء وهي تقول : " خذي له هذا بينما انتظر هنا حضور الطبيب لكي أصحبه إلى حيث أبيك ثم بعد ذلك أجهز الشاي لنا جميعاً . لعلك في حاجة إلى ذلك مثلي أنا ."
دفعت فينيتيا باب غرفة المكتبة وهي تتكلف الارتياح والثقة في مظهرها ، فأومأت بالتحية نحو كارلو الذي سألها :" حسناً هل الطبيب قادم ؟ " ثم التفتت نحو أبيها تسأله : " كيف حالك الآن ؟ " وأخذت تلف ساقيه بالغطاء وكان هو مستلقياً على المقعد المستطيل يبتسم لها قائلاً : " أشعر بتحسن أن الدكتور فيلدينغ سيثور علي لإضاعتي وقته . لقد بقيت في فراشي أملاً بأن تنتهي نوبة الألم تلك ، ولكنها استمرت وعندما يصل لن يكون للألم اثر كما يحدث عادة . " فقال كارلو وهو يتقدم ليقف أمامها : " أن ذلك واجبه حتى ولو انتهى الألم الآن فلا شك أن هناك سبباً له ." وأرخت فينيتيا أهدابها بسرعة مشيحة بوجهها بعيداً عن ذلك الإيطالي وقد نطقت ملامحها بشعور الذنب . فقد كانت بوتي أبدت ملاحظة عن تأخر أبيها في غرفته ولكنها لم تفكر في ذلك لحظة . فقد كانت مشغولة جداً بقضيتها مع كارلو وفي كيفية جعله يذهب معها ألي حفلة ناتاشا .
وأخذت تلوم نفسها فقد كان عليها أن تصعد إلى غرفة أبيها لتطمئن عليه بدلاً من أن تمضي وقتها في محاولة جذب رجل قد أضجرته بهيامها ، ولذي سخر منها بكل قسوة مثل قوله بان لا بد للرجل من أن يأخذ أجراً لكي يقبل بالظهور معها في مكان عام .
شعرت بالارتياح وهي تسمع صوت الطبيب ، وهرعت إلى الباب تستقبله وهي تشكره إذ رأت اللون يعود تدريجياً إلى وجه أبيها وبعد ساعة من وضع الرجل المسن في فراشه رافقت الطبيب إلى سيارته .
أخبرها الطبيب وهو يفتح باب سيارته الفولفو ليضع حقيبته على المقعد بجانبه بأن ما جرى لأبيها سببه التهاب الزائدة الدودية . وألقى نظرة على كارلو الذي كان قد لحق بهما وهو يقول : " لا شيء يستدعي الهلع ولكن استدعوني إذا عاد الألم وليبق على التغذية بالسوائل لمدة أربع وعشرين ساعة . وفي مدة يومين سيصبح في حالة ممتازة ." وعندما ابتعد ، قالت فينيتيا بصوت متوتر : " سأصعد لا طمئن عليه ." قال لها كارلو بعد أن اعترض طريقها : " كلا " وجمدت في مكانها وأغمضت عينيها خائفة من أن يرى مقدار المها ومذلتها ، ومقدار الحب الهائل الذي تكنه له في أعماقها . وتابع قائلاً : " لقد كان مستسلماً للنوم عندما تركته ، فقد أمضى ليلة مضطربة . وعدة ساعات من النوم الهادئ ستنفعه كثيراً وبجانب ذلك ... " ثم دار وجهها أليه وهو يتابع : " لقد وعدت بوتي بأن تتفقده من وقت لآخر وأن ترقبه جيدأ " كان قريباً منها لدرجة استطاعت معها أن تشعر بأنفاسه . و آسرها القرب منه كما خلب لبها و أذهلها ذلك الجمال الباهر لماذا لا يشعر بذلك هو أيضاً ؟ لماذا لا يشعر الرجل الوحيد الذي أحبته بشيء نحوها ما عدا السخط و الغضب أنها لا تستطيع البقاء معه هنا لحظة واحدة . فهذا كثير عليها احتماله ! وشعرت بشهقة عالية أوشكت أن تفلت منها فحاولت كبحها وهي تدير وجهها بعيداً عنه بينما تفجرت الدموع من عينيها لتنحدر على وجنتيها .
لقد رأى دموعها بطبيعة الحال فهو لا يفوته شيء وطبعاً سيبدأ بتعنيفها مرة أخرى ويدعوها بالطفلة انه تعلم انه سيفعل ذلك ، وحاولت بعصبية أن تتحكم بارتباكها الذي كان يفضحها ولكن لم يكن في صوته الأجش أي اثر للقسوة وهو يهمس :" لا تبكي . لقد مرت عليكِ ساعتان قلقتان حقاً ولكن كل شيء قد انتهى فان أباك اصبح في حالة حسنة تماماً وأنتِ تعانين الآن من ردة فعل وهذا كل شيء ."
كل شيء؟ وانطلقت شهقاتها الآن وهو يربت على ظهرها ، لقد كانت في نظره مجرد فراشة ملونة كما أن رحيله غداً كان يحطم قلبها . لم تكن تريده أن يبتعد عنها لينسحب مرة أخرى ، إلى ما وراء ذلك الحاجز . نعم لقد فعلت ذلك! وهو لن يتمكن بعد الآن من الادعاء بأنها مجرد طفلة تسبب له الضجر ، انه لن يدفعها عنه مرة أخرى .
ولكنه فعل ذلك بحركة مفاجئة جعلتها تترنح وهي تمعن النظر في توتر ملامحه المفاجئ ، بعينين تطل منهما الحيرة والألم . تراجع بسرعة إلى الخلف ، مما جعلها تشعر بفراغ مؤلم أحدث في حلقها غصة خانقة . واغرورقت عيناها الكبيرتان الشفافتان بالدموع وهي تحتج بصوت مختنق قائلة : " لا تدفعني بعيداً هكذا ."
أجاب : " انكِ محظوظة حيث أنني املك شيئاً من ضبط النفس ." قال ذلك وعيناه تحدقان في عينيها بعنف لم تر مثله من قبل ، وهو يتابع قائلاً وقد قطب حاجبيه الأسودين : " لو كنتِ أكبر مما أنتِ الآن بخمس سنوات لاختلفت الأمور ولكنك ما زلتِ طفلة ."
فصرخت بوحشية : " هذا غير صحيح ." واندفعت تقول دون تفكير وقد انهارت كبرياؤها : " إنني احبك يا كارلو فلا تتركني أرجوك لا تتركني ! "
سمعته يتنفس بشدة وهو يرد عليها بغيظ وشراسة : " انك تزعجيني إلى حد كبير أتدركين ماذا تفعلين بي ؟ أتدركين ذلك ؟ " ونظر إليها لحظة طويلة وقد توتر فمه ثم تراجع بسرعة عائداً نحو المنزل آخذاً معه قلبها المحطم المسكين .
استيقظت فينيتيا وهي تشعر بأنها تكاد تختنق ، والقلق يبلغ بها حد الألم . قذفت عنها الأغطية بانفعال ، على السجاد ومن ثم أخذت تدير حولها عينين متسعتين يرتسم فيهما الارتباك . ولكنها ما لبثت أن نحت جانباً ظنها في أنها كانت تعاني من كابوس بعد أن أدركت منشأ قلقها هذا . ليس السبب والدها بالتأكيد . آه إنها ما زالت تفكر في موقف ألامس المريع ولا شيء غير ذلك وما دام ولدها يتبع حمية السوائل هذا النهار ومرتاحاً من العمل عدة أيام ، فلا بأس عليه ولا بد لا لتهاب الزائدة الدودية ذاك أن يزول .
كانت جذور تعاستها موجودة عند حبيبها كارلو وجلست واضعة ذقنها على ركبتيها لآفة ذراعيها حولهما وقد انتشر شعرها الأسود الطويل في كل مكان .
بالرغم من إصرارها على تأكيد حبها فان الطريقة التي أخذت تتوسل بها إليه أن يبقى قد ألهبت ضميرها خزياً عندما تذكرت تفجرها العاطفي ذاك ، لقد كان مصمماً على السفر بعد ظهر هذا النهار .
بعد أن تركها مبتعداً عائداً نحو المنزل ، ساورها شعور بالوحدة والتعاسة كما لم تشعر به من قبل . ولم تعرف كيف تواجه ذلك الشعور المظلم باليأس ، خصوصاً عندما رأته يخرج لينطلق في الشارع بسيارته المستأجرة .
وأثناء الفترات التي كانت تتفقد فيها والدها ، بقيت تتسكع في أنحاء المنزل منتظرة عودة كارلو ، فتتمشى في الشرفة بقلق ، تحاول أن تحضر في ذهنها الكلام الذي ستقوله له عندما تراه مرة أخرى . لقد شعرت بأعصابها تتحطم لما جرى وللطريقة التي تصرفت بها .
ولكن الساعات امتدت طوال النهار الذي بدا وكأنه لا نهاية له ولم يظهر له اثر ولم تستطع هي أن تمس طبق السلطة الذي قدمته لها بوتي ولا طبق السمك المشوي اللذيذ الذي قدمته إليها للعشاء .
" لا بد انه يريد أن يرى المزيد من الأماكن قبل أن يرحل غداً ." كان هذا كلام بوتي الذي نطقت به بصوت جاف وهي ترفع عن المائدة طبق الطعام الذي عبثت فيه فينيتيا بشوكتها ، بينما عيناها مسمرتان على الكرسي الخالي أمامها .
اصطنعت ابتسامة باهتة وكانت هزة الهزيمة من كتفيها تغني عن كل جواب ، بينما تابعت بوتي بصوت أجش : " لا تبدي بهذا الشكل فهو ليس الرجل الوحيد في العالم ." شتمت فينيتيا نفسها لكونها شفافة بهذا الشكل ، وهي ترى مدبرة المنزل خارجة من الغرفة فقد جعلت من نفسها موضعاً لملاحظات بوتي وسخرية كارلو . لقد عرف شعورها نحوه حتى قبل أن تعترف له بأنها تحبه ، وفسره هو على أنها مجرد فتاة صبية مراهقة غير ناضجة .
ولكن بوتي كانت مخطئة ، فهو الرجل الوحيد الذي في إمكانها أن تحبه بمثل هذه العاطفة ولكن لم يجنِ أية فائدة كما أعلن ذلك صراحة وتملكتها التعاسة . إن عليها تقبل الامر الواقع بشكل ما وتحاول أن تحسن تصرفها معه عندما تراه ثانية ، وعلى ما ستقوله له . ولكنها ليست في حاجة إلى كل هذه المعاناة لتحطيم كرامتها لأنها عندما كانت مع أبيها الليلة الماضية كان كارلو هناك . لم ينظر إليها ،
عندما حضر إلى الغرفة سائلاً أباها عن صحته وقد شحب وجهها عندما قال : " إذا كنت متأكداً من أنك في طريق الشفاء فسأستقل الطائرة غداً إلى روماً كما اتفقنا ولكن إذا كان لديك أية مخاوف فان في استطاعتي إلغاء السفر والبقاء بجانبك ."
حبست فينيتيا أنفاسها راجية أن يطلب أبوها من كارلو البقاء ولكنه لم يفعل ، بل أجابه :" إنني بخير تماماً وعندما انتهي من فترة التجويع هذه سأعود رجلاً جديداً وقد طلبت من سيمون كيرو الحضور إلى هنا هذا الصباح لينوب عني في غيابي ليومين أو ثلاثة وهكذا ليس من الضروري أن تغير خطة سفرك لمجرد أنني عانيت من وجع في المعدة إذ لا ضرورة لذلك مطلقاً ."
قال كارلو : " إذا كنت متأكداً .. " هل هي علامات ارتياح تلك التي بدت على ملامحه ؟ وتصلبت شفتاه وهو يضيف قائلاً : " بعد تفكير عميق وصلت إلى قرار مهم أحب أن ابحثه معك غداً صباحاً بعد أن تنتهي من رؤية كيرو ."
فأشار أبوها إلى الكرسي الكبير المقابل لسريره العريض القديم الطراز وهو يسأله باسماً : " ولماذا ليس الآن ؟ " وبحركة غير إرادية كما بدا لفينيتيا ، تحولت العينان السوداوان أ خيراً إلى ناحيتها ثم عادتا إلى أبيها فوراً وهو يقول بتلك اللكنة الخلابة في صوته : " من الأفضل إرجاء ذلك إلى الغد ."
إذن فقد توصل إلى قرار ما ... طبعاً بشأن العمل وهل هناك شيء غيره ؟ ثم رفض أن يتحدث عنه أمامها . وشعرت فينيتيا بالألم وهي تفكر في ذلك . انه لن يتحدث عن أي شيء ذي أهمية في حضورها فهو يظنها مراهقة .
وبقيت أنظارها على يديها المتقبضتين في حجرها ، أثناء لحظة الصمت التي سبقت خروجه من الغرفة ، لتخرج هي نفسها بعده بقليل قاصدة غرفتها وقد شملها الوهن للضربات التي وجهها إليها . سواء قصد ذلك أم لا .
ولم يكن شعورها ، هذا الصباح بأفضل منه ليلة أمس ، وأزاحت شعرها عن عينيها وهي تنظر حلوها ببلادة ، لقد صممت منذ سنة على تجديد غرفتها هذه حسب ذوقها فغيرت ورق الجدران ، والسجادة الوردية الباهتة وكذلك الستائر الوردية . اصبح الأثاث باللون الأسود وباستثناء السجادة البيضاء كل شيء كان قرمزي اللون . وتذكرت كيف غمرتها البهجة في ذلك الحين و الآن وهي تشعر بتباشير يوم صيف حار آخر . أخذت تتذكر بأسى أيامها الماضية وانتقالها السريع الرائع من عهد الحداثة وكل تلك الثقة بالنفس التي حطمها وقوعها في حب من لا يرحب بحبها . وعندما تركت سريرها في النهاية لتأخذ حماماً وجدت نفسها ترتجف . إن كارلو سيرحل هذا النهار ، ومن غير المحتمل أن يتقابلا مرة أخرى . ذلك أن أباها وسيمون كان فيهما منتهى الكفاءة لأدارة الشركة التي يملك أسهماً فيها . فقد استمرت سنوات دون أن تفعل أسرة روسي شيئاً سوى اخذ حصتها من الأرباح . هذا إلى انه يدير مختلف أعمال شركة روسي بمفرده بعد أن اكتفى والده بالمركز الثاني فيها نظراً لتأخر صحته وهذا يجعل زيارته لإنكلترا مرة أخرى غير محتملة
وأخذت ترتدي معطف الحمام وهي تتساءل وقد استبدت بها التعاسة عما إذا كان سيتذكرها أحياناً ، ثم قررت أنه لن يفعل ذلك إذ سرعان ما ستنسيه السيدات اللواتي في انتظاره كما خمنت بوتي ، فينيتيا التلميذة الصغيرة التي ضايقته بحبها .
وبعدم اكتراث بمظهرها ، ارتدت بنطالاً من جينز والقميص المدرسي الوحيد الذي لم تمزقه بوتي قطعاً لتمسح به الأثاث ، ثم خرجت قاصدة غرفة أبيها وكانت بوتي قد سبق وأحضرت له إبريقاً من العصير الطازج كما كان سريره مغطى بالأوراق والملفات وسألته باهتمام وهي ترفع شعرها الطويل اللامع إلى الخلف متمنية لو كان عندها وقت لتضفيره لان هذا النهار سيكون شديد الحرارة .
قائلة : " هل من الضروري أن تعمل الآن ؟ " فأجاب وهو يحدق فيها من فوق نظارته : " إنني لا اعمل و إنما أحاول تنظيمها لتيسير فهمها على سيمون عندما يصل . أتريدين أن تطلبي منه البقاء للغداء لتتسلي بصحبته ؟ " .
هناك رجل واحد تريد صحبته ولكن المشكلة انه لم يكن يريد ذلك وهزت رأسها نفياً بصمت فقطب والدها حاجبيه قائلاً : " يبدو عليك الوهن ماذا جرى ؟ هل ما زلت قلقة علي ؟ إنني بخير الآن ."
قالت كاذبة : " انه الجو الحار ." وتساءلت عما إذا كانت ستعود إلى بهجتها وطبيعتها المرحة مرة أخرى . حين كانت مليئة بالحيوية لا يشغل بالها شيء . ولم تستطع أن تتصور ذلك .
قال : " اذهبي إذن وانتعشي في مياه حوض السباحة فان سيمون يعرف طريق غرفتي كما أن كارلو مشغول في غرفة المكتبة يعد التقارير . وهكذا يمكنك أن تمضي وحدك صباحاً مسلياً تسترخين فيه ." وعندما عادت إلى غرفتها فكرت في أن رأي والدها لا بأس به ، فهي لن تجعل من نفسها سخرية مرة أخرى . عليها أن تبتعد عن طريق كارلو إذ ليس ثمة فائدة من المصالحة معه لأنه إذا جاء سيمون وذهب فان كارلو سيذهب إلى غرفة أبيها لمناقشة أعمالهما ومن ثم يذهب إلى المطار والى ذلك الوقت ستغيب عن الأنظار ، وحوض السباحة كان في الفناء المسور القديم وهو المكان المناسب للاختفاء ، كانت مياه الحوض باردة منعشة وبعثت فيها عدة أشواط من السباحة ، النشاط قبل أن تستدير لتسبح على ظهرها وفكرت أنها لو ركزت ذهنها في البقاء بهذا الوضع فربما يكون في إمكانها أن تستعيد شيئاً من ضبط النفس تتمكن به من وداع كارلو تحية الوداع بعد ساعة أو ساعتين ..
وشعرت لدى تفكيرها في أنها ستقول له وداعاً بمثل طعنة السكين في فؤادها ما جعلها تصر على أسنانها كما جعل ركبتيها تصطكان ووجدت نفسها بعده تنحدر إلى أعماق الحوض ذي الستة أقدام عمقاً ولم يهمها فيما لو لم تصعد بعدها أبداً . ولكنها ما لبثت إن صعدت إلى سطح الماء ثم مسحت الماء عن عينيها لترى سيمون من بعيد تظهره الشمس من خلفه خيالاً أسود . وتمنت لو تنزل إلى أسفل الحوض مرة أخرى فقد كانت من الكآبة بحيث لم تشعر برغبة في التحدث إلى أي إنسان . وجاءها صوته مازحاً متقطعاً وكأنما كان يركض وهو يقول : " ما أحسن هذا ليتني أستطيع السباحة ."
فردت عليه وهي تصعد درجات الحوض لكي تبتعد عن هذا المكان بعد أن افسد عليها هذه المسرة الضئيلة بحدة قائلة : " وما الذي يجعلك تعتقد أنني أرحب بهذا ؟ "
وخطت على الأرض المبلطة وقد علاها العبوس وذلك آن تصرفات سيمون في المرتين الأخيرتين اللتين خرجا فيهما معاً لم تكن سليمة وكانت ألفاظه أحيانا غير مهذبة كما تحب . وقد سكتت على مضض لان الخيار الآخر الذي كان أمامها هو أن تبقى في البيت محرومة من المرح ولا ترى أياً من أصدقائها . إنها في المستقبل ستفضل مسرورة البقاء في المنزل إلى أن تستطيع إقناع أبيها بأنها ستكون آمنة في خروجها بدون مرافق يختاره لها ... ويمكن عند ذاك لسيمون أن يفتش عن فتاة أخرى ينشب فيها مخالبه فقد تعبت هي من الاستمرار في دفعه عنها على الدوام .
في بداية خروجهما معاً ، كانت تراه مثالاً للمرافق المهذب كما ينبغي أن يكون وذلك في مراعاته واهتمامه و فكآهاته وحمايته لها . ولكنه مؤخراً اصبح يظهر رغباته بشكل مناف للذوق ، مما جعل خروجهما يقتصر على المصارعة بينهما هجوماً ودفاعاً بدلاً من أن يكون فترة بهيجة كالقصد منها . ولو أن بذرة من الشك راودت أباها في ما يجري بينهما ، لنسف كل شيء حتماً .
وصرخت به غاضبة : " هل يعرف أبي انك هنا ؟ هل هو يعرف ما تعتزم عمله ؟" فرد عليها متبرماً : " آه هيا ، تعالي . لقد سبق ورأيت أباك وأخذت كل الأوامر منه كأي موظف جيد . فما الخطاء في أن نتسلى معاً ، هذا إلى ذلك الرجل المسيطر السيد روسي هو معه الآن ... وهذا سيشغله فترة طويلة انك تعرفين ما هو شعوري نحوك فلا تدعي انكِ غير مستعدة لذلك ." واجهته ثائرة وهي تقول بعنف وعيناها تحذرانه من أن يتقدم نحوها خطوة واحدة : " انك تثير اشمئزازي فإذا بدر منك أي تصرف شائن فسأصرخ لأبي ليأتي ويطردك حالاً ." واستدارت بسرعة لكي تبتعد فقط عن وجوده الكريه وعينيه الوقحتين دون أن يخطر ببالها انه سيندفع خلفها بسرعة ليشدها من شعرها ليمسك بها ، يديرها إليه مما افقدها توازنها وهو يزمجر في أذنها : " في الوقت الذي انتهي فيه منك بعد أن تذوقي ما يدفعني إلى كل هذا سيكون طردي هو ابعد شيء عن ذهنك وهذا وعد مني لكِ ." وكان أقوى منها كثيراً
بينما كانت تشهق مرتجفة إذا بها تسمع من خلال الغشاوة الحمراء أمام عينيها المغمضتين صوت كارلو روسي يقول بخشونة وسخرية : " إنني لا اعتذر عن تطفلي هذا فأنا في الواقع مسرور لهذا التطفل ." وعندما فتحت عينيها على اتساعهما هلعاً وقبل أن تبدأ بتبرئة نفسها ، سمعته يقول بصوته العميق المفعم بالتهكم : " لا تكلفا نفسيكما عناء النهوض يا أولاد فان في إمكاني السفر دون حاجة للوداع ." ومرة أخرى أخذت تلاحقه بأنظارها وهو يرحل نهائياً .