aqwe666
18-04-2008, 01:58 PM
الفصـــــــل الثالث
" هل سبق وعلمت أنه سيحضر الجنازة؟ " ألقت فينيتيا هذا السؤال عندما استقر بها الجلوس مع سيمون في المقعد الخلفي من سيارة الليموزين والسائق في ثيابه الرسمية ينساب بهدوء مبتعداً عن المكان واستطردت قائلة :" أرجو ألا يتصور إن في إمكانه أن يعود إلى المنزل ."
هز سيمون كتفيه قائلاً : " إنني لم اعلم انه سيحضر ولكنني كنت شبه متوقع لذلك وعلى كل حال ، فأنتِ سترثين حصة أبيك من الأسهم في الشركة وطالما أنه يملك النصف الآخر فهو يريد أن يلقي نظرة على أرباحه ."
ألقت عليه نظرة جانبية كئيبة ، بينما كان حجابها الأسود المسدل على وجهها يخفي احمرار عينيها ، لم يكن الوقت مناسباً للحديث في شؤون العمل وعن أرباح كارلو روسي في الشركة المكافحة ذلك أن مجرد وجوده هنا فيه ما يكفي من السوء .
تنهدت وهي تشبك أصابعها المغطاة بالقفاز الأسود ، في حجرها لقد كانت معاناتها هذا النهار تكفي من دون أن تشتبك عيناها وهي ترفعهما عن جثمان أبيها الحبيب المسجى ، فجأة بتلك العينين السوداوين الحادتين لذلك الرجل الذي ظنت يوماً أنها ستحبه إلى الأبد ، الرجل الذي كانت على استعداد للتضحية بحياتها لأجله إذا اضطرها الامر لذلك .
قال سيمون : " هيا ، أهدأي ، فسنتخلص من الجميع بأسرع وقت ممكن ليمكنك بعد ذلك أن تمضي بقية نهارك بسلام . سأبقى معك وسنتناول عشاء هادئاً . فأنا لا أريدك أن تبقي وحدك ."
أومأت برأسها وقد منعها الذهول من أن تتكلم فقد كانت وفاة أبيها منذ أسبوع صدمة مريعة لها فهو لم يعلم أحداً من قبل عن حالة قلبه . وعندما تفاقمت حالة الشريان التاجي عنده ، وتوفي أثناء نومه ، لم تستطع هي أن تصدق ذلك وان تتعود على هذا الواقع . ولم تعرف كيف كان يمكنها أن تتصرف وتتدبر الأمور من دون معونة سيمون . فقد بدت في أثناء الأيام السبعة الماضية ، وكأنها عادت تلك الطفلة الخائفة عديمة الخبرة وتلك المرأة الجادة المثابرة التي عودت نفسها على أن تكونها طيلة السنوات الست الماضية . تلك المرأة حطمها الحزن على الأب الذي فقدت .
ولكنها عادت تسيطر على نفسها وكانت تطمئن نفسها بهذا بينما كانت السيارة تقف أمام المنزل . كان لا بد لها من ذلك ورفعت ذقنها بكبرياء تحت الحجاب وهي تستعد لدخول المنزل لاستقبال المعزين . كانت بوتي قد حضرت الجنازة فقد كانت بالطبع كفرد من الأسرة . فاستدعت متعهدي المآتم الذين كانوا الآن يضعون اللمسات الأخيرة على مقصف الأطعمة الباردة المعدة للمعزين . حدثت فينيتيا نفسها بأن كارلو لن يكون من الجهل المطبق بحيث يأتي إلى هنا . وتعثرت في سيرها قليلاً بعد أن أصاب التفكير فيه ساقيها بالوهن .
سألها سيمون : " هل أنتِ بخير ؟ ." مالت نحوه شاكرة وهي ترى السيارات الأخرى الفاخرة التي تقف في الفناء . قالت له وهي تتمالك نفسها : " نعم بالطبع ." ولم تكن في حاجة إلى كثير من الذكاء لتعرف السبب في أن يؤثر مجرد التفكير في كارلو روسي عليها بهذا الشكل مسبباً لها مثل هذا الارتباك المؤلم .
فمنذ ستة أعوام في أثناء أسبوع صيفي مشؤوم ارتمت هي على قدميه تصارحه بحبها وآخر مرة رآها فيها كانت في وضع غير لائق مع سيمون عند حوض السباحة وتوهج وجهها وهي تتذكر ذلك لقد كانت تظن أن الحزن على رحيله وشدة شعورها بالإحراج لذلك الوضع وغضبها على سيمون الذي تسبب في هذه النهاية ، وكل تلك المذلة والحقارة التي أحست بهما ، كل ذلك سوف يقضي عليها .
ولكن من الغريب أنها خلال السنوات التي تلت قد أصبحت مولعة بسيمون وكأن ظهور ذلك الرجل في ذلك المشهد قد أعاد إلى سيمون عقله ولم يستطع أن يعتذر بما فيه الكفاية وفي اليوم التالي أرسل إليها باقة زهور ولكنه لم يحاول رؤيتها أو التحدث إليها . ولم تقع عيناها عليه مرة أخرى إلا عندما دعاه والدها إلى المنزل . لقد تصرف في ذلك الحين بكل لطف وأدب وكان الاعتذار يبدو في عينيه في كل مرة كانت عيناها تقعان عليهما . ثم التحقت بشركة أبيها بعد سنتين من دراستها لأعمال السكرتارية ومسك الدفاتر وكان سيمون هو الذي ساعدها في تدربها على مختلف أنواع الإدارة وكانت معرفته وصبره إلى عزيمتها في التفوق كل هذا دفعها إلى القمة رأساً إلى حد أن أباها منذ سنة تقريباً تقاعد عن العمل جزئياً دون أن يخبرهم أن صحته قد أصبحت في وضع مؤسف ولكنه كما قال في حاجة في سنه هذا إلى بعض الراحة ... ولهذا لم يتردد في أن يسلمها زمام العمل الذي كان يقبض عليه بيديه بكل حزم ؟ كانت تعلم انه فخوراً بها وإذا كان قد تساءل يوماً في نفسه عن السبب الذي جعل ابنته العابثة المحبة للحفلات تتغير بين يوم وليلة إلى فتاة عاملة جادة فهو لم يسأل عن السبب أبداً . وأثناء الأسابيع والشهور التي تلت رحيل كارلو لم تهتم كثيراً بأي شيء وكان تصميمها على أن تعمل في شركة أبيها سببه فقط أن تجعله سعيداً .
غالبت دموعها التي أوشكت أن تطفح بها عيناها لا فائدة من النظر إلى الوراء كان هذا ما فتئت تذكر نفسها به على الدوام وسارت نحو المنزل بظهر مستقيم في طقمها الأسود الكئيب حيث أخذت تستقبل المعزين بابتسامة متحفظة شاكرة وجود سيمون بجانبها . وألقت بنظرة متجاوزه بها ممثلي أقسام البيع بالتجزئة بوجوههم الجادة إلى القاعة خلفهم وسرعان ما تجمدت في مكانها وقد شعرت بمثل طعنة السكين من الألم الذي كسا وجهها ... انه كارلو !!
كان عليها أن تتوقع هذا وتعد نفسها له بدلاً من دفن رأسها في الرمال كالنعامة مدعية انه لا يمكن أن يدخل إلى مكان لم يدع إليه أو يرحب به .
لم تغيره تلك السنوات الست ما عدا أنها عمقت بعض خطوط ملامحه المتعجرفة التي تتفجر رجولة وكان جسده ما يزال بنفس التناسق الذي كان عليه أما هالة النفوذ والسلطة التي تحيط به فقد أصبحت الآن اكثر بروزاً . وكان رؤوس عدد من النساء قد استدارت إليه ، مأخوذات بوسامته . وتملك فينيتيا برغمها اضطراباً .
خاطب سيمون آخر مجموعة تقدمت لتقدم تعازيها بقوله : " نرجو المعذرة لحظة فأن فينيتيا في حاجة إلى شراب ينعشها ." واتجه بها إلى ناحية وهو يقول برقة : " إن منظرك سيئ جداً هل سيغمى عليكِ ؟ ." وبدا عليه وكأنه لا يدري ما الذي ينبغي عليه أن يصنع إذا هي أجابت بالإيجاب ، ولاحت على شفتيه شبه ابتسامة عندما أراحته بقولها : " لم يحدث قط أن أغمى علي من قبل ولكن معك حق فأنا في حاجة إلى شراب منعش وان محاولاتي التحدث إلى كل هؤلاء الناس قد أثبتت أنها محنة لم أتصورها من قبل ."
ذلك أنها لا يمكن أن تصارح أحداً في العالم بالشعور الذي انتابها عندما رأت كارلو وكيف أن نظراته إليها وهي مع سيمون ما زالت كلما تذكرتها تحس في الحرج والشعور بالخزي .
وضع سيمون في يدها كوب شراب منعش وهو يقول : " اشربي هذه ولا تدعي مثل هذا القلق يبدو عليك فان القوم قد ابتدءوا يستعدون للخروج ويمكنك قريباً أن ترفعي قدميك وتسترخي وفي نفس الوقت يمكنني إذا أنتِ شئتِ أن أقوم بجولة اشكر فيها الجميع لحضورهم . فتمتمت : " لا بأس ستتحسن حالتي تماماً ." ورفعت الكوب إلى شفتيها ولكنها كانت على كل حال شاكرة له ما تقدم به فقد كانت مسرورة إذ أمكنها أن تعود فتميل إليه وتثق به مرة أخرى ، و أغمضت عينيها وهي تشعر بالراحة وعندما فتحتهما مرة أخرى ، وجدت نفسها تنظر مباشرة في عينين سوداوين عدائيتين فأمسكت أنفاسها وهي تشعر بالغثيان إذ تسمع ذلك الصوت الخلاب يغمرها بفيض من الذكريات المؤلمة كانت قد ظنت خطأ أنها قد نسيتها منذ وقت طويل . قال : " تعازي المخلصة يا فينيتيا لقد كان والدك رجلاً رائعاً وأنا أعرف مقدار الحب الذي كان يكنه الواحد منكما للآخر ."
قالت : " شكراً ." وخرجت الكلمات منها جافة فاترة وكانت شفتاها ترتعشان فهي لم تتوقع أن تراه ثانية وكان ذلك منتهى الغباء كما أدركت الآن باعتبار انه يملك مقداراً كبيراً من الأسهم في شركة أبيها ، شركتها الآن .
ارتفع صوت كارلو يقول موجهاً حديثه إلى سيمون : " أما زلت ذا فائدة يا كيرو؟ أليست زوجتك معك ؟ " أزعج فينيتيا أن تشعر بوجهها يتوهج فقد كان للطريقة التي لفظ بها كلمة ( ذا فائدة ) أن يعلمها بكل قسوة انه مازال يتذكر آخر مرة رآهما معاً . وما الذي جعله يعلم أن سيمون متزوج ؟ هل كان يسأل عنهما؟ لقد كان ثمة مكالمات هاتفية أحياناً بينه وبين أبيها ولا بد انه جمع معلوماته عن هذا الطريق وكان سيمون يغمغم قائلاً : " إن انجي لا يمكنها الحضور إلى هنا فهي مسافرة في مهمة عمل ." وكان هو أيضاً قد احمر وجهه كما رأت فينيتيا وكان احمرار وجهيهما هما الاثنين يظهرهما وكأنهما قاما بشيء جعلهما يشعران بالذنب وكان عليها أن تتمالك نفسها وذلك أن كارلو يعني ألان بالنسبة إليها اقل من لا شيء وقد حان الوقت ألان لكي تتصرف كامرأة ناضجة بدلاً من أن تتصرف كتلميذة مذعورة أمام ناظر المدرسة العبوس الحازم هذا إلى أنها كانت تعرف السبب في عدم الارتياح الذي بدا على سيمون ، فقد مر على زواجه من انجي ستة اشهر فقط وكانت مهنتها كعارضة أزياء تجعلهما مفترقين اغلب الأحيان مما جعل الخصام يدب بينهما بصورة عنيفة ولم يكن لدى انجي نية أن تكون زوجة تقليدية ، تساند زوجها في عمله فهي ترى عملها أولى بالاهتمام .
وبهزة ذات معنى من كتفي كارلو إلى التواء شفتيه الساخر علمت انه لا يتقبل الأعذار المغمغمة وان العمل عنده فوق الكلمات . أخذت عينا كارلو تتفحصانها كلياً ابتداء من قبعتها الصغيرة إلى حذائها العالي ليقول بعدها : " لقد تغيرت جسمانياً ." ولم يحمل صوته آسفاً ولا مديحاً كان يعلن فقط حقيقة واقعة سلمت بها بإيماءة عدم اكتراث خفيفة من رأسها . لم يكن ثمة ما ترد به على هذه الملاحظة دون أن تعود بذاكرتها إلى ذلك الأسبوع الذي تصرفت فيه بمنتهى الغباء وتمنت لو يرحل لو يعود إلى روما أو إلى أي مكان وكأنما كلماتها ستجذبه وتلقيه بعيداً أو على الأقل تجعله يدرك مقدار عدم الترحيب الذي تشعر به لوجوده هذا .
قالت له ببرود : " من كرم أخلاقك انك وجدت فرصة ، رغم انشغالك البالغ لكي تحضر إلى هنا ولو كان أبي موجوداً لشكرك على ذلك ." ووضعت جانباً الكوب التي نسيته في يدها وهي تستطرد : " و أمل أن تكون رحلة العودة مريحة فلا تدعنا نعطلك عن الذهاب ."
كان رده شبه ابتسامة إقراراً بما قالت واستدارت هي بشيء من الارتياح إلى بوتي التي أقبلت إليهما وقد وضعت المئزر الأبيض فوق ثيابها مما ينبئ بعودتها إلى العمل مرة أخرى لتقول مخاطبة فينيتيا : " أن بعض الضيوف على وشك المغادرة يا حبيبتي فجئت لأخبرك وإذا كنت لا تريدين مني شيئاً حالياً فسأجهز الغرفة للسيد كيرو إذا كان لا بأس في هذا . "
وقطبت فينيتيا حاجبيها وحولت عينيها إلى سيمون متسائلة إذا كانت أذعنت لاقتراحه بالبقاء بصحبتها وتناول العشاء معها ، ولكنها المرة الاولى التي تسمع فيها انه سيمضي الليلة هنا . لا بد انه كان يعني ما قال لها من انه لا يريدها أن تظل بمفردها هذه الليلة . وان وجود بوتي هنا لا يعني شيئاً لأنها في نظره مجرد خادمة حسب علمه لا يعتد بها .
قال سيمون رداً على نظرة التساؤل في عينيها و مؤكد ظنونها وذلك بلهجة رسمية دون أن ينظر إلى أحد : " أظن من الأفضل عدم بقائك بمفردك هذه الليلة وقد حدثت السيدة بوتي عن ذلك قبل فترة ." وتنهدت فينيتيا ، فقد كان لا فرق عندها سواء أمضى الليلة هنا أم لا وافترضت انه يقصد بذلك إظهار الشهامة .
فهو يبالغ في رعايتها إكراماً لذكرى أبيها ، ولكنها كانت تفضل لو سئلت عن ذلك أولاً ، ولكنها ما لبثت أن تجمدت في مكانها عندما تدخل كارلو بينهما قائلاً :" إنني أوافقك على ذلك يا كيرو وعلى كل حال ربما سأبقى هنا عدة أيام فلن يكون ثمة حاجة بك للبقاء ." وعندما استدار نحو مدبرة المنزل بدت في عينيه أول لمحة من الرقة لطفت من النظرة العدائية التي كانت في عينيه منذ وصوله كما ظهرت على شفتيه شبه ابتسامة وهو يقول : " سأستعمل الغرفة التي كنتِ ستجهزينها لكيرو ، ولكن لا تتعبي نفسك بترتيب السرير يمكنني أن افعل ذلك بنفسي ."
انبرت فينيتيا تقول بحرارة دون تفكير : " يمكنك كذلك أن تحجز لنفسك غرفة في فندق بكل سهولة ." ورفعت برموشها وهي تشعر بالألم الذي رافق صوتها وهي تقول ذلك فهي لا تريده هنا ممثلاً ذكرى سوداء لسلوكها المعيب رافقتها طيلة تلك السنوات . ولكن هل كان عليها أن تفقد رباطة جأشها إلى هذا الحد , تاركة له مجالاً للظن انه مازال في إمكانه التأثير عليها في حين أن الحقيقة هي غير ذلك ؟ ومالت لا شعورياً نحو سيمون بعد إذ لمحت ومضة من السخرية في عيني كارلو السوداوين فحولت نظراتها بعيداًً بسرعة لتصر على أسنانها بغيظ وهي تراه يعترض على اقتراحها هذا قائلاً بصوته الرقيق العاطفي : " ولماذا اذهب إلى الفندق في حين يمكنني البقاء هنا؟ صدقيني أن الطعام الذي تصنعه بوتي لا يبارح ذاكرتي انه اجمل ذكرى صحبتني إلى إيطاليا منذ سنوات ."
وحالاً تبادر إلى ذهن فينيتيا إن أدراك ما يعتبره أسوأ ذكرى لا يحتاج إلى ذكاء كبير وبان عليها بوضوح الارتباك والشعور بالاستياء وهي ترى احمرار وجه بوتي وهي تجيبه متجاهلة إطراءه هذا :" أتفرش سريرك بنفسك ؟ ما هذا الكلام الفارغ ؟ إنني أقوم بذلك بكل سرور سأجهز لك الغرفة التي كانت لك من قبل فقد سبق وقلت أن منظر الحديقة أعجبك أتذكر؟ وسيكون من دواعي سرورنا أن نستضيفك هنا مرة أخرى . "
فكرت فينيتيا بامتعاض في أن بوتي كان عليها أن تتحدث عن نفسها فقط ... وما لبثت أن تبعتها بسرعة دون أن تنظر إلى أي من الرجلين فليتفقا فيما بينهما على ما إذا كانا يريدان هما الاثنان أن يبيتا هذه الليلة هنا . إذ من الواضح انه ليس لها كلمة مسموعة في هذا الشأن . وأخذ منها توديعها للمعزين وشكرها لهم مؤاساتها في فقد والدها وقتاً أطول مما كانت تتوقع وكانت تتلهف إلى الانفراد بنفسها لكي تجد الوقت الذي يمكنها فيه أن تشعر بالتعود على محنتها هذه في أبيها عندما تقدم آخر المعزين لتوديعها . وكان هذا سيمون ونظرت أليه مرتين لكي تتأكد من انه هو بذاته لترتسم على شفتيها ابتسامة ألم وهو يقول باكتئاب : " انه هو السيد المطاع قد امرني بالذهاب لقد قال انه سيتحدث إلى غداً وبعد غد سيدعو إلى اجتماع للمديرين ويبدو انه يريد الانفراد بكِ بقية النهار ولكن إياك أن تسمحي له بإرهاقك بالحديث عن شؤون العمل فأنت تبدين مرهقة منذ الآن ."
أجابته بجفاء : " أشكرك على تشجيعك هذا لي ." أن في إمكانها الخوض مع كارلو في شؤون العمل ... فقط ولكن إذا خطر له أن يذكرها بتصرفاتها المعيبة التي صدرت عنها منذ ستة أعوام فستقتله وأضافت تسأله بهدوء :" أين هو الآن ؟ ".
كانت القاعة الكبيرة خالية وكذلك غرفة الاستقبال إلا من متعهدي تحضير الأطعمة الذين كانوا الآن ينظفون المقصف من محتوياته وأجابها سيمون بصوت ساخر : " في آخر مرة رأيته فيها كانت مدبرة المنزل تقوده إلى المطبخ لتقدم له كوب شاي وقطعة من الكيك .. الكيك الجديد وليس ذلك الصنف الذي أحضره أولئك المتعهدون معهم أظن أن تلك المرأة قد دخلها الخرف لن يكون من السهل عليها الحصول على مثل هذا الوضع المريح عندما تبيعين البيت هنا . انكِ فكرت طبعاً في اقتراحي هذا أليس كذلك؟ "
وقطبت فينيتيا جبينها وهي تسير معه نحو الباب أنها لا تشعر بالرغبة في إثارة موضوع إمكانية بيع البيت فقد كان حزنها لوفاة والدها ما زال حديثاً والانفصال عن المنزل الذي أمضت فيه حياتها هو قرار لا يمكنها البت فيه بمفردها وبهذه السرعة . بدا على سيمون التفهم لذلك لأنه استدار يواجهها ويده على مقبض الباب ليقول وقد كست ملامحه الرقة : " انسي إنني حدثتك عن ذلك وستكون لنا جلسة معاً نتحدث فيها عن كل شيء عندما يزول خوفك من عواقب ذلك فأنا لا أريد أن ادفع بك ِ إلى قرار أنتِ غير مستعدة له أن احترامي لك لا يسمح لي بذلك ولكن لو أمكنني المكوث معك هذه الليلة ، كما كنت خططت لذلك لا مكننا أن نتبادل الحديث بكل ارتياح ... وعلى كل حال فهناك شيء مهم أريد أن أتحدث بشأنه معكِ ."
كان الظلام قد بدأ ينتشر فقد مضى النهار بسرعة وكان هذا من حسن حظها إذ كلما أسرعت بالانفراد بنفسها لتواجه أحزانها لفقد أبيها الغالي كان ذلك افضل لارتياحها .
مهما كان لدى سيمون ليقوله ، ومهما كانت أهميته فأنها لم تشعر بالرغبة في سماعه وبالرغم مما قاله انه لا يريد أن يدفع بها إلى قرار بشأن بيع المنزل فقد ساورها الظن بأنه كان يهدف لذلك فقط من وراء رغبته في المبيت عندها وتأكدت ظنونها هذه عندما عاد هو يغلق الباب وهو يقول متوتراً :" اسمعي إذا كنتِ تريدينني أن أبقى فسأبقى ... بصرف النظر عما قاله روسي فهذا منزلك أنتِ رغم كل شيء وليس من حقه أن يرغمني على الذهاب اخبريه فقط انك تريدينني هنا وإذا لم يعجبه يمكنه أن يرحل إلى حيث يريد عندئذ يمكننا أن نمضي أمسية مريحة نتحدث فيها بصفتنا صديقين قديمين ."
ساور فينيتيا التردد لحظة واحدة فقد كانت متشوقة إلى أن تجعل ذلك الإيطالي يدرك انه ليس في إمكانه أن يفرض نفسه حيثما يشاء ولا أن يقبل ببقاء من يشاء في منزلها ويرفض من يشاء بمثل هذه الطريقة المستبدة ولكن التفكير في صحبة سيمون الثقيلة لساعات طويلة وفي الأمسية المريحة حسب قوله كان اكثر إرهاقا من أن تتحمله .
أجابته بحزم : " لا أظن ذلك ." وعندما رأته يمط شفتيه السفلى بامتعاض سارعت تلطف من جوابها هذا فهو على كل حال لم يقصد سوى المنفعة لها ، فقالت :" إنني لا أستطيع القيام بأي شيء في الوقت الحاضر ." وابتسمت له برقة وهي تقول :" حتى ولا الحديث مع الأصدقاء القدامى فإذا ما انصرف متعهدو الطعام هؤلاء فالأغلب أن اغتسل ثم آوي إلى فراشي مباشرة وعلى السيد روسي أن يستضيف نفسه ." وكانت تريد بذلك أن تتمالك نفسها وتشعر بالقوة قبل أن تتمكن من احتمال مواجهة كارلو على أساس الند للند .
بدت على سيمون الاستكانة وهو يقول : " إذا كان هذا ما تريدينه فسأتصل بك هاتفياً لنتدبر أمر قضاء أمسية هادئة معاً ، إن انجي ستغيب أسبوعاً آخر على الأقل وفي نفس الوقت لا تسمحي لروسي بأن يزعجك بآرائه المتعلقة بشؤون العمل .. أو أي شيء آخر ." .
أجابت وقد شعرت فجأة بالرغبة في أن يرحل قائلة : " كلا لن افعل ." وشعرت بالارتياح عندما فتح الباب وخرج . طوال الوقت الذي عملت فيه معه لم يحاول أن يتحرش بها ولك هذه الرقة التي بدرت منه ما هي إلا تعبير عن رعايته لها في هذا الحزن الذي يتملكها وليس فيها ما يستوجب أي استياء منها ولا حاجة بها إلى الشعور بأي اشمئزاز داخلي أو السماح للذكريات القديمة عما سبق وفعله معها بأن تفسد هذه الصداقة التي بينهما الآن فقد كان منذ ست سنوات شاباً حدثاً مغروراً بنفسه ولكنه الآن اكبر سناً واكثر حكمة ورقة .
وتراجعت إلى الخلف وهي تغلق الباب متسائلة عن الوقت الذي سيخرج فيه متعهدو المقصف لتسمع من خلفها صوتاً تشوبه لكنة خفيفة يقول بازدراء :" يا له من موقف مؤثر لقد عاد إلى منزله ليداري خيبته أليس كذلك ؟ هل تعلم زوجته انه كان ينوي المبيت هنا ؟ " فاستدارت على عقبيها لترى كارلو واقفاً أمامها واحمر وجهها وهي تجيب : " كلا ." كيف يجرؤ على افتراض شيء كهذا ؟ كيف يجرؤ؟ ولكنها عدا عن احمرار وجهها غضباً استطاعت تمالك نفسها لتسأله بصوت ينضح سخرية وبروداً :" هل تخبر زوجتك أنت في كل مرة تريد أن تعبث فيها خارج المنزل ؟ " .
فأجاب و عيناه تطفحان بالازدراء :" بما أن لا زوجة لي فأن هذا السؤال غير وارد ."
ولكن فينيتيا لم تجفل وقابلت نظرته الهازئة برأسها المرفوع وعينيها المائلتين اللتين تصبحان أحياناً من الشحوب بحيث تشبه البلور ، ولكنهما الآن تماثلان بلونهما البنفسج . لقد ترك هو هذا المنزل منذ ست سنوات مصطحباً معه أسوأ فكرة ممكنة عنها وعند عودته هذه احضر معه فكرته التعسة تلك ، مستعداً لتصديق أسوأ الأقاويل عنها ، فيفسر رغبة صديق قديم في البقاء معها لمؤاساتها في هذه الليلة الحزينة بعلاقة غرامية حقيرة وقد صب ذلك الحوار اللطيف والذي لا بد قد سمعه زيتاً في النار الأثيمة التي توقدها مخيلته المريضة .
حدقت في ملامحه الصارمة الباردة بإمعان إن في إمكانه أن يظن ما يشاء فهذا لا يهمها وإذا هو حقاً يريد أن يعتقد فيها الأسوأ فستساعده هي على ذلك .
حاولت أن تتجاهل ارتعاش ركبتيها غضباً فتلكأت حوله وهي تلقي إليه نظرة ساخرة ثم تألقت عيناها تحت الحجاب الشفاف بنظرة جانبية ماكرة وهي تنقر على أسنانها بأظفارها بخفة قبل أن تقول ببطء : " صدق أو لا تصدق إن في إمكاني أن أطيق قضاء ليلتي وحيدة أحياناً إذا استدعى الامر فلا تقلق .." وابتعدت عنه متجهة نحو السلم وهي تنظر إليه من فوق كتفيها .
" هل سبق وعلمت أنه سيحضر الجنازة؟ " ألقت فينيتيا هذا السؤال عندما استقر بها الجلوس مع سيمون في المقعد الخلفي من سيارة الليموزين والسائق في ثيابه الرسمية ينساب بهدوء مبتعداً عن المكان واستطردت قائلة :" أرجو ألا يتصور إن في إمكانه أن يعود إلى المنزل ."
هز سيمون كتفيه قائلاً : " إنني لم اعلم انه سيحضر ولكنني كنت شبه متوقع لذلك وعلى كل حال ، فأنتِ سترثين حصة أبيك من الأسهم في الشركة وطالما أنه يملك النصف الآخر فهو يريد أن يلقي نظرة على أرباحه ."
ألقت عليه نظرة جانبية كئيبة ، بينما كان حجابها الأسود المسدل على وجهها يخفي احمرار عينيها ، لم يكن الوقت مناسباً للحديث في شؤون العمل وعن أرباح كارلو روسي في الشركة المكافحة ذلك أن مجرد وجوده هنا فيه ما يكفي من السوء .
تنهدت وهي تشبك أصابعها المغطاة بالقفاز الأسود ، في حجرها لقد كانت معاناتها هذا النهار تكفي من دون أن تشتبك عيناها وهي ترفعهما عن جثمان أبيها الحبيب المسجى ، فجأة بتلك العينين السوداوين الحادتين لذلك الرجل الذي ظنت يوماً أنها ستحبه إلى الأبد ، الرجل الذي كانت على استعداد للتضحية بحياتها لأجله إذا اضطرها الامر لذلك .
قال سيمون : " هيا ، أهدأي ، فسنتخلص من الجميع بأسرع وقت ممكن ليمكنك بعد ذلك أن تمضي بقية نهارك بسلام . سأبقى معك وسنتناول عشاء هادئاً . فأنا لا أريدك أن تبقي وحدك ."
أومأت برأسها وقد منعها الذهول من أن تتكلم فقد كانت وفاة أبيها منذ أسبوع صدمة مريعة لها فهو لم يعلم أحداً من قبل عن حالة قلبه . وعندما تفاقمت حالة الشريان التاجي عنده ، وتوفي أثناء نومه ، لم تستطع هي أن تصدق ذلك وان تتعود على هذا الواقع . ولم تعرف كيف كان يمكنها أن تتصرف وتتدبر الأمور من دون معونة سيمون . فقد بدت في أثناء الأيام السبعة الماضية ، وكأنها عادت تلك الطفلة الخائفة عديمة الخبرة وتلك المرأة الجادة المثابرة التي عودت نفسها على أن تكونها طيلة السنوات الست الماضية . تلك المرأة حطمها الحزن على الأب الذي فقدت .
ولكنها عادت تسيطر على نفسها وكانت تطمئن نفسها بهذا بينما كانت السيارة تقف أمام المنزل . كان لا بد لها من ذلك ورفعت ذقنها بكبرياء تحت الحجاب وهي تستعد لدخول المنزل لاستقبال المعزين . كانت بوتي قد حضرت الجنازة فقد كانت بالطبع كفرد من الأسرة . فاستدعت متعهدي المآتم الذين كانوا الآن يضعون اللمسات الأخيرة على مقصف الأطعمة الباردة المعدة للمعزين . حدثت فينيتيا نفسها بأن كارلو لن يكون من الجهل المطبق بحيث يأتي إلى هنا . وتعثرت في سيرها قليلاً بعد أن أصاب التفكير فيه ساقيها بالوهن .
سألها سيمون : " هل أنتِ بخير ؟ ." مالت نحوه شاكرة وهي ترى السيارات الأخرى الفاخرة التي تقف في الفناء . قالت له وهي تتمالك نفسها : " نعم بالطبع ." ولم تكن في حاجة إلى كثير من الذكاء لتعرف السبب في أن يؤثر مجرد التفكير في كارلو روسي عليها بهذا الشكل مسبباً لها مثل هذا الارتباك المؤلم .
فمنذ ستة أعوام في أثناء أسبوع صيفي مشؤوم ارتمت هي على قدميه تصارحه بحبها وآخر مرة رآها فيها كانت في وضع غير لائق مع سيمون عند حوض السباحة وتوهج وجهها وهي تتذكر ذلك لقد كانت تظن أن الحزن على رحيله وشدة شعورها بالإحراج لذلك الوضع وغضبها على سيمون الذي تسبب في هذه النهاية ، وكل تلك المذلة والحقارة التي أحست بهما ، كل ذلك سوف يقضي عليها .
ولكن من الغريب أنها خلال السنوات التي تلت قد أصبحت مولعة بسيمون وكأن ظهور ذلك الرجل في ذلك المشهد قد أعاد إلى سيمون عقله ولم يستطع أن يعتذر بما فيه الكفاية وفي اليوم التالي أرسل إليها باقة زهور ولكنه لم يحاول رؤيتها أو التحدث إليها . ولم تقع عيناها عليه مرة أخرى إلا عندما دعاه والدها إلى المنزل . لقد تصرف في ذلك الحين بكل لطف وأدب وكان الاعتذار يبدو في عينيه في كل مرة كانت عيناها تقعان عليهما . ثم التحقت بشركة أبيها بعد سنتين من دراستها لأعمال السكرتارية ومسك الدفاتر وكان سيمون هو الذي ساعدها في تدربها على مختلف أنواع الإدارة وكانت معرفته وصبره إلى عزيمتها في التفوق كل هذا دفعها إلى القمة رأساً إلى حد أن أباها منذ سنة تقريباً تقاعد عن العمل جزئياً دون أن يخبرهم أن صحته قد أصبحت في وضع مؤسف ولكنه كما قال في حاجة في سنه هذا إلى بعض الراحة ... ولهذا لم يتردد في أن يسلمها زمام العمل الذي كان يقبض عليه بيديه بكل حزم ؟ كانت تعلم انه فخوراً بها وإذا كان قد تساءل يوماً في نفسه عن السبب الذي جعل ابنته العابثة المحبة للحفلات تتغير بين يوم وليلة إلى فتاة عاملة جادة فهو لم يسأل عن السبب أبداً . وأثناء الأسابيع والشهور التي تلت رحيل كارلو لم تهتم كثيراً بأي شيء وكان تصميمها على أن تعمل في شركة أبيها سببه فقط أن تجعله سعيداً .
غالبت دموعها التي أوشكت أن تطفح بها عيناها لا فائدة من النظر إلى الوراء كان هذا ما فتئت تذكر نفسها به على الدوام وسارت نحو المنزل بظهر مستقيم في طقمها الأسود الكئيب حيث أخذت تستقبل المعزين بابتسامة متحفظة شاكرة وجود سيمون بجانبها . وألقت بنظرة متجاوزه بها ممثلي أقسام البيع بالتجزئة بوجوههم الجادة إلى القاعة خلفهم وسرعان ما تجمدت في مكانها وقد شعرت بمثل طعنة السكين من الألم الذي كسا وجهها ... انه كارلو !!
كان عليها أن تتوقع هذا وتعد نفسها له بدلاً من دفن رأسها في الرمال كالنعامة مدعية انه لا يمكن أن يدخل إلى مكان لم يدع إليه أو يرحب به .
لم تغيره تلك السنوات الست ما عدا أنها عمقت بعض خطوط ملامحه المتعجرفة التي تتفجر رجولة وكان جسده ما يزال بنفس التناسق الذي كان عليه أما هالة النفوذ والسلطة التي تحيط به فقد أصبحت الآن اكثر بروزاً . وكان رؤوس عدد من النساء قد استدارت إليه ، مأخوذات بوسامته . وتملك فينيتيا برغمها اضطراباً .
خاطب سيمون آخر مجموعة تقدمت لتقدم تعازيها بقوله : " نرجو المعذرة لحظة فأن فينيتيا في حاجة إلى شراب ينعشها ." واتجه بها إلى ناحية وهو يقول برقة : " إن منظرك سيئ جداً هل سيغمى عليكِ ؟ ." وبدا عليه وكأنه لا يدري ما الذي ينبغي عليه أن يصنع إذا هي أجابت بالإيجاب ، ولاحت على شفتيه شبه ابتسامة عندما أراحته بقولها : " لم يحدث قط أن أغمى علي من قبل ولكن معك حق فأنا في حاجة إلى شراب منعش وان محاولاتي التحدث إلى كل هؤلاء الناس قد أثبتت أنها محنة لم أتصورها من قبل ."
ذلك أنها لا يمكن أن تصارح أحداً في العالم بالشعور الذي انتابها عندما رأت كارلو وكيف أن نظراته إليها وهي مع سيمون ما زالت كلما تذكرتها تحس في الحرج والشعور بالخزي .
وضع سيمون في يدها كوب شراب منعش وهو يقول : " اشربي هذه ولا تدعي مثل هذا القلق يبدو عليك فان القوم قد ابتدءوا يستعدون للخروج ويمكنك قريباً أن ترفعي قدميك وتسترخي وفي نفس الوقت يمكنني إذا أنتِ شئتِ أن أقوم بجولة اشكر فيها الجميع لحضورهم . فتمتمت : " لا بأس ستتحسن حالتي تماماً ." ورفعت الكوب إلى شفتيها ولكنها كانت على كل حال شاكرة له ما تقدم به فقد كانت مسرورة إذ أمكنها أن تعود فتميل إليه وتثق به مرة أخرى ، و أغمضت عينيها وهي تشعر بالراحة وعندما فتحتهما مرة أخرى ، وجدت نفسها تنظر مباشرة في عينين سوداوين عدائيتين فأمسكت أنفاسها وهي تشعر بالغثيان إذ تسمع ذلك الصوت الخلاب يغمرها بفيض من الذكريات المؤلمة كانت قد ظنت خطأ أنها قد نسيتها منذ وقت طويل . قال : " تعازي المخلصة يا فينيتيا لقد كان والدك رجلاً رائعاً وأنا أعرف مقدار الحب الذي كان يكنه الواحد منكما للآخر ."
قالت : " شكراً ." وخرجت الكلمات منها جافة فاترة وكانت شفتاها ترتعشان فهي لم تتوقع أن تراه ثانية وكان ذلك منتهى الغباء كما أدركت الآن باعتبار انه يملك مقداراً كبيراً من الأسهم في شركة أبيها ، شركتها الآن .
ارتفع صوت كارلو يقول موجهاً حديثه إلى سيمون : " أما زلت ذا فائدة يا كيرو؟ أليست زوجتك معك ؟ " أزعج فينيتيا أن تشعر بوجهها يتوهج فقد كان للطريقة التي لفظ بها كلمة ( ذا فائدة ) أن يعلمها بكل قسوة انه مازال يتذكر آخر مرة رآهما معاً . وما الذي جعله يعلم أن سيمون متزوج ؟ هل كان يسأل عنهما؟ لقد كان ثمة مكالمات هاتفية أحياناً بينه وبين أبيها ولا بد انه جمع معلوماته عن هذا الطريق وكان سيمون يغمغم قائلاً : " إن انجي لا يمكنها الحضور إلى هنا فهي مسافرة في مهمة عمل ." وكان هو أيضاً قد احمر وجهه كما رأت فينيتيا وكان احمرار وجهيهما هما الاثنين يظهرهما وكأنهما قاما بشيء جعلهما يشعران بالذنب وكان عليها أن تتمالك نفسها وذلك أن كارلو يعني ألان بالنسبة إليها اقل من لا شيء وقد حان الوقت ألان لكي تتصرف كامرأة ناضجة بدلاً من أن تتصرف كتلميذة مذعورة أمام ناظر المدرسة العبوس الحازم هذا إلى أنها كانت تعرف السبب في عدم الارتياح الذي بدا على سيمون ، فقد مر على زواجه من انجي ستة اشهر فقط وكانت مهنتها كعارضة أزياء تجعلهما مفترقين اغلب الأحيان مما جعل الخصام يدب بينهما بصورة عنيفة ولم يكن لدى انجي نية أن تكون زوجة تقليدية ، تساند زوجها في عمله فهي ترى عملها أولى بالاهتمام .
وبهزة ذات معنى من كتفي كارلو إلى التواء شفتيه الساخر علمت انه لا يتقبل الأعذار المغمغمة وان العمل عنده فوق الكلمات . أخذت عينا كارلو تتفحصانها كلياً ابتداء من قبعتها الصغيرة إلى حذائها العالي ليقول بعدها : " لقد تغيرت جسمانياً ." ولم يحمل صوته آسفاً ولا مديحاً كان يعلن فقط حقيقة واقعة سلمت بها بإيماءة عدم اكتراث خفيفة من رأسها . لم يكن ثمة ما ترد به على هذه الملاحظة دون أن تعود بذاكرتها إلى ذلك الأسبوع الذي تصرفت فيه بمنتهى الغباء وتمنت لو يرحل لو يعود إلى روما أو إلى أي مكان وكأنما كلماتها ستجذبه وتلقيه بعيداً أو على الأقل تجعله يدرك مقدار عدم الترحيب الذي تشعر به لوجوده هذا .
قالت له ببرود : " من كرم أخلاقك انك وجدت فرصة ، رغم انشغالك البالغ لكي تحضر إلى هنا ولو كان أبي موجوداً لشكرك على ذلك ." ووضعت جانباً الكوب التي نسيته في يدها وهي تستطرد : " و أمل أن تكون رحلة العودة مريحة فلا تدعنا نعطلك عن الذهاب ."
كان رده شبه ابتسامة إقراراً بما قالت واستدارت هي بشيء من الارتياح إلى بوتي التي أقبلت إليهما وقد وضعت المئزر الأبيض فوق ثيابها مما ينبئ بعودتها إلى العمل مرة أخرى لتقول مخاطبة فينيتيا : " أن بعض الضيوف على وشك المغادرة يا حبيبتي فجئت لأخبرك وإذا كنت لا تريدين مني شيئاً حالياً فسأجهز الغرفة للسيد كيرو إذا كان لا بأس في هذا . "
وقطبت فينيتيا حاجبيها وحولت عينيها إلى سيمون متسائلة إذا كانت أذعنت لاقتراحه بالبقاء بصحبتها وتناول العشاء معها ، ولكنها المرة الاولى التي تسمع فيها انه سيمضي الليلة هنا . لا بد انه كان يعني ما قال لها من انه لا يريدها أن تظل بمفردها هذه الليلة . وان وجود بوتي هنا لا يعني شيئاً لأنها في نظره مجرد خادمة حسب علمه لا يعتد بها .
قال سيمون رداً على نظرة التساؤل في عينيها و مؤكد ظنونها وذلك بلهجة رسمية دون أن ينظر إلى أحد : " أظن من الأفضل عدم بقائك بمفردك هذه الليلة وقد حدثت السيدة بوتي عن ذلك قبل فترة ." وتنهدت فينيتيا ، فقد كان لا فرق عندها سواء أمضى الليلة هنا أم لا وافترضت انه يقصد بذلك إظهار الشهامة .
فهو يبالغ في رعايتها إكراماً لذكرى أبيها ، ولكنها كانت تفضل لو سئلت عن ذلك أولاً ، ولكنها ما لبثت أن تجمدت في مكانها عندما تدخل كارلو بينهما قائلاً :" إنني أوافقك على ذلك يا كيرو وعلى كل حال ربما سأبقى هنا عدة أيام فلن يكون ثمة حاجة بك للبقاء ." وعندما استدار نحو مدبرة المنزل بدت في عينيه أول لمحة من الرقة لطفت من النظرة العدائية التي كانت في عينيه منذ وصوله كما ظهرت على شفتيه شبه ابتسامة وهو يقول : " سأستعمل الغرفة التي كنتِ ستجهزينها لكيرو ، ولكن لا تتعبي نفسك بترتيب السرير يمكنني أن افعل ذلك بنفسي ."
انبرت فينيتيا تقول بحرارة دون تفكير : " يمكنك كذلك أن تحجز لنفسك غرفة في فندق بكل سهولة ." ورفعت برموشها وهي تشعر بالألم الذي رافق صوتها وهي تقول ذلك فهي لا تريده هنا ممثلاً ذكرى سوداء لسلوكها المعيب رافقتها طيلة تلك السنوات . ولكن هل كان عليها أن تفقد رباطة جأشها إلى هذا الحد , تاركة له مجالاً للظن انه مازال في إمكانه التأثير عليها في حين أن الحقيقة هي غير ذلك ؟ ومالت لا شعورياً نحو سيمون بعد إذ لمحت ومضة من السخرية في عيني كارلو السوداوين فحولت نظراتها بعيداًً بسرعة لتصر على أسنانها بغيظ وهي تراه يعترض على اقتراحها هذا قائلاً بصوته الرقيق العاطفي : " ولماذا اذهب إلى الفندق في حين يمكنني البقاء هنا؟ صدقيني أن الطعام الذي تصنعه بوتي لا يبارح ذاكرتي انه اجمل ذكرى صحبتني إلى إيطاليا منذ سنوات ."
وحالاً تبادر إلى ذهن فينيتيا إن أدراك ما يعتبره أسوأ ذكرى لا يحتاج إلى ذكاء كبير وبان عليها بوضوح الارتباك والشعور بالاستياء وهي ترى احمرار وجه بوتي وهي تجيبه متجاهلة إطراءه هذا :" أتفرش سريرك بنفسك ؟ ما هذا الكلام الفارغ ؟ إنني أقوم بذلك بكل سرور سأجهز لك الغرفة التي كانت لك من قبل فقد سبق وقلت أن منظر الحديقة أعجبك أتذكر؟ وسيكون من دواعي سرورنا أن نستضيفك هنا مرة أخرى . "
فكرت فينيتيا بامتعاض في أن بوتي كان عليها أن تتحدث عن نفسها فقط ... وما لبثت أن تبعتها بسرعة دون أن تنظر إلى أي من الرجلين فليتفقا فيما بينهما على ما إذا كانا يريدان هما الاثنان أن يبيتا هذه الليلة هنا . إذ من الواضح انه ليس لها كلمة مسموعة في هذا الشأن . وأخذ منها توديعها للمعزين وشكرها لهم مؤاساتها في فقد والدها وقتاً أطول مما كانت تتوقع وكانت تتلهف إلى الانفراد بنفسها لكي تجد الوقت الذي يمكنها فيه أن تشعر بالتعود على محنتها هذه في أبيها عندما تقدم آخر المعزين لتوديعها . وكان هذا سيمون ونظرت أليه مرتين لكي تتأكد من انه هو بذاته لترتسم على شفتيها ابتسامة ألم وهو يقول باكتئاب : " انه هو السيد المطاع قد امرني بالذهاب لقد قال انه سيتحدث إلى غداً وبعد غد سيدعو إلى اجتماع للمديرين ويبدو انه يريد الانفراد بكِ بقية النهار ولكن إياك أن تسمحي له بإرهاقك بالحديث عن شؤون العمل فأنت تبدين مرهقة منذ الآن ."
أجابته بجفاء : " أشكرك على تشجيعك هذا لي ." أن في إمكانها الخوض مع كارلو في شؤون العمل ... فقط ولكن إذا خطر له أن يذكرها بتصرفاتها المعيبة التي صدرت عنها منذ ستة أعوام فستقتله وأضافت تسأله بهدوء :" أين هو الآن ؟ ".
كانت القاعة الكبيرة خالية وكذلك غرفة الاستقبال إلا من متعهدي تحضير الأطعمة الذين كانوا الآن ينظفون المقصف من محتوياته وأجابها سيمون بصوت ساخر : " في آخر مرة رأيته فيها كانت مدبرة المنزل تقوده إلى المطبخ لتقدم له كوب شاي وقطعة من الكيك .. الكيك الجديد وليس ذلك الصنف الذي أحضره أولئك المتعهدون معهم أظن أن تلك المرأة قد دخلها الخرف لن يكون من السهل عليها الحصول على مثل هذا الوضع المريح عندما تبيعين البيت هنا . انكِ فكرت طبعاً في اقتراحي هذا أليس كذلك؟ "
وقطبت فينيتيا جبينها وهي تسير معه نحو الباب أنها لا تشعر بالرغبة في إثارة موضوع إمكانية بيع البيت فقد كان حزنها لوفاة والدها ما زال حديثاً والانفصال عن المنزل الذي أمضت فيه حياتها هو قرار لا يمكنها البت فيه بمفردها وبهذه السرعة . بدا على سيمون التفهم لذلك لأنه استدار يواجهها ويده على مقبض الباب ليقول وقد كست ملامحه الرقة : " انسي إنني حدثتك عن ذلك وستكون لنا جلسة معاً نتحدث فيها عن كل شيء عندما يزول خوفك من عواقب ذلك فأنا لا أريد أن ادفع بك ِ إلى قرار أنتِ غير مستعدة له أن احترامي لك لا يسمح لي بذلك ولكن لو أمكنني المكوث معك هذه الليلة ، كما كنت خططت لذلك لا مكننا أن نتبادل الحديث بكل ارتياح ... وعلى كل حال فهناك شيء مهم أريد أن أتحدث بشأنه معكِ ."
كان الظلام قد بدأ ينتشر فقد مضى النهار بسرعة وكان هذا من حسن حظها إذ كلما أسرعت بالانفراد بنفسها لتواجه أحزانها لفقد أبيها الغالي كان ذلك افضل لارتياحها .
مهما كان لدى سيمون ليقوله ، ومهما كانت أهميته فأنها لم تشعر بالرغبة في سماعه وبالرغم مما قاله انه لا يريد أن يدفع بها إلى قرار بشأن بيع المنزل فقد ساورها الظن بأنه كان يهدف لذلك فقط من وراء رغبته في المبيت عندها وتأكدت ظنونها هذه عندما عاد هو يغلق الباب وهو يقول متوتراً :" اسمعي إذا كنتِ تريدينني أن أبقى فسأبقى ... بصرف النظر عما قاله روسي فهذا منزلك أنتِ رغم كل شيء وليس من حقه أن يرغمني على الذهاب اخبريه فقط انك تريدينني هنا وإذا لم يعجبه يمكنه أن يرحل إلى حيث يريد عندئذ يمكننا أن نمضي أمسية مريحة نتحدث فيها بصفتنا صديقين قديمين ."
ساور فينيتيا التردد لحظة واحدة فقد كانت متشوقة إلى أن تجعل ذلك الإيطالي يدرك انه ليس في إمكانه أن يفرض نفسه حيثما يشاء ولا أن يقبل ببقاء من يشاء في منزلها ويرفض من يشاء بمثل هذه الطريقة المستبدة ولكن التفكير في صحبة سيمون الثقيلة لساعات طويلة وفي الأمسية المريحة حسب قوله كان اكثر إرهاقا من أن تتحمله .
أجابته بحزم : " لا أظن ذلك ." وعندما رأته يمط شفتيه السفلى بامتعاض سارعت تلطف من جوابها هذا فهو على كل حال لم يقصد سوى المنفعة لها ، فقالت :" إنني لا أستطيع القيام بأي شيء في الوقت الحاضر ." وابتسمت له برقة وهي تقول :" حتى ولا الحديث مع الأصدقاء القدامى فإذا ما انصرف متعهدو الطعام هؤلاء فالأغلب أن اغتسل ثم آوي إلى فراشي مباشرة وعلى السيد روسي أن يستضيف نفسه ." وكانت تريد بذلك أن تتمالك نفسها وتشعر بالقوة قبل أن تتمكن من احتمال مواجهة كارلو على أساس الند للند .
بدت على سيمون الاستكانة وهو يقول : " إذا كان هذا ما تريدينه فسأتصل بك هاتفياً لنتدبر أمر قضاء أمسية هادئة معاً ، إن انجي ستغيب أسبوعاً آخر على الأقل وفي نفس الوقت لا تسمحي لروسي بأن يزعجك بآرائه المتعلقة بشؤون العمل .. أو أي شيء آخر ." .
أجابت وقد شعرت فجأة بالرغبة في أن يرحل قائلة : " كلا لن افعل ." وشعرت بالارتياح عندما فتح الباب وخرج . طوال الوقت الذي عملت فيه معه لم يحاول أن يتحرش بها ولك هذه الرقة التي بدرت منه ما هي إلا تعبير عن رعايته لها في هذا الحزن الذي يتملكها وليس فيها ما يستوجب أي استياء منها ولا حاجة بها إلى الشعور بأي اشمئزاز داخلي أو السماح للذكريات القديمة عما سبق وفعله معها بأن تفسد هذه الصداقة التي بينهما الآن فقد كان منذ ست سنوات شاباً حدثاً مغروراً بنفسه ولكنه الآن اكبر سناً واكثر حكمة ورقة .
وتراجعت إلى الخلف وهي تغلق الباب متسائلة عن الوقت الذي سيخرج فيه متعهدو المقصف لتسمع من خلفها صوتاً تشوبه لكنة خفيفة يقول بازدراء :" يا له من موقف مؤثر لقد عاد إلى منزله ليداري خيبته أليس كذلك ؟ هل تعلم زوجته انه كان ينوي المبيت هنا ؟ " فاستدارت على عقبيها لترى كارلو واقفاً أمامها واحمر وجهها وهي تجيب : " كلا ." كيف يجرؤ على افتراض شيء كهذا ؟ كيف يجرؤ؟ ولكنها عدا عن احمرار وجهها غضباً استطاعت تمالك نفسها لتسأله بصوت ينضح سخرية وبروداً :" هل تخبر زوجتك أنت في كل مرة تريد أن تعبث فيها خارج المنزل ؟ " .
فأجاب و عيناه تطفحان بالازدراء :" بما أن لا زوجة لي فأن هذا السؤال غير وارد ."
ولكن فينيتيا لم تجفل وقابلت نظرته الهازئة برأسها المرفوع وعينيها المائلتين اللتين تصبحان أحياناً من الشحوب بحيث تشبه البلور ، ولكنهما الآن تماثلان بلونهما البنفسج . لقد ترك هو هذا المنزل منذ ست سنوات مصطحباً معه أسوأ فكرة ممكنة عنها وعند عودته هذه احضر معه فكرته التعسة تلك ، مستعداً لتصديق أسوأ الأقاويل عنها ، فيفسر رغبة صديق قديم في البقاء معها لمؤاساتها في هذه الليلة الحزينة بعلاقة غرامية حقيرة وقد صب ذلك الحوار اللطيف والذي لا بد قد سمعه زيتاً في النار الأثيمة التي توقدها مخيلته المريضة .
حدقت في ملامحه الصارمة الباردة بإمعان إن في إمكانه أن يظن ما يشاء فهذا لا يهمها وإذا هو حقاً يريد أن يعتقد فيها الأسوأ فستساعده هي على ذلك .
حاولت أن تتجاهل ارتعاش ركبتيها غضباً فتلكأت حوله وهي تلقي إليه نظرة ساخرة ثم تألقت عيناها تحت الحجاب الشفاف بنظرة جانبية ماكرة وهي تنقر على أسنانها بأظفارها بخفة قبل أن تقول ببطء : " صدق أو لا تصدق إن في إمكاني أن أطيق قضاء ليلتي وحيدة أحياناً إذا استدعى الامر فلا تقلق .." وابتعدت عنه متجهة نحو السلم وهي تنظر إليه من فوق كتفيها .