ونواصل مع نجوم عصر الصحابة رضوان الله عليهم .. مسيرة التعبيرات الخالدة والتى مهدت لقيام دولة الاسلام الكبري .. دولة الأخلاق بداية ونهاية ..
ومع كل تعبير .. نتلمس الدرس الذى يطرحه .. ونتأمل أنفسنا .. فمن يدرى .. ربما ..
التعبير الثالث عشر ..
" لا أرانى آسي على شيئ فاتنى فى هذه الدنيا .. الا أننى لم أقاتل مع على الفئة الباغية "
القائل ..
عبد الله بن عمر رضى الله عنه
الموقف ..
من منا يجهله .. الطيب بن الطيب عبد الله بن عمر بن الخطاب رضى الله عنهما .. أشبه الناس بأبيه .. والصحابي الأكثر تدقيقا فى التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم .. والعالم العامل والذى رفض ولاية القضاء ـ وهو بها حق جدير ـ مخافة الغرور بالله ..
من منا يجهل هذا النابغة العربي .. ؟
هذا العبقري سليل العبقري .. هو صاحب التعبير هذه المرة ..
وكان موقف التعبير فى أشد أزمات الاسلام بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى
أزمة الفتنة الكبري بعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفان رضى الله عنه .. وتولى الامام على بن أبي طالب رضى الله عنه الخلافة .. وكون ما كان من الصراع المرير الذى خاضه ضده معاوية بن أبي سفيان رضى الله عنه وغفر له زلته ..
فى هذا الصراع المؤلم .. وهذه الأزمة العاصفة .. انقسم الصحابة على أنفسهم حيالها .. فمنهم من مد يده الى الخليفة الشرعى على بن أبي طالب رضى الله عنه .. وتآزر معه ضد خصومه .. ايمانا منهم بقيمة هذا الامام العادل .. مثل الصحابي الجليل .. عمار بن ياسر رضى الله عنهما .. والصحابي قيس بن سعد بن عبادة رضى الله عنهما
ومنهم من انحاز الى معاوية .. والله عليم بالأسباب .. مثل عمرو بن العاص رضى الله عنه ..
ومنهم من رفض الفتنه والأزمة كلها ..
وهذه الزمرة الفاضلة .. لم تكن تبخس الامام على رضى الله عنه قدره ..
لكنها رأت فى الفتنه .. أزمة غير مقبولة .. وحربا بين المسلمين .. فرفضوا أن يرفعوا السيوف التى قاتلوا بها جيوش الشرك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى وجه اخوانهم فى الدين ..
وهى وجهة نظر .. قد نختلف عليها .. لكنها وجهة ذات رأى بالطبع ..
وكان زعيم هذه الفئة .. الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه والذى رفض الأمر كله واعتكف فى بيته مغلقا عليه بابه واعتبر نفسه فى آخر الزمان الذى أوصي فيه الرسول صلى الله عليه وسلم بالاعتكاف ..
بل انه رفض حتى أن ينقل اليه أبناؤه أنباء هذا الصراع ..
وكلما أتاه داع .. أجابه " ائتونى بسيف .. ينطق بالحق .. اذا ضربت به الكافر قطع .. واذا ضربت به المسلم رجع .."
وكان منهم أيضا .. الصحابي صاحب التعبير فى أعلى ..
اذ أنه رفض الأمر وامتنع عن نصرة أى من الطرفين على صاحبه ..
وأجاب من دعاه قائلا " من قال لى حى على الصلاة أجبته ,. ومن قتال حى على الجهاد أجبته ,. ومن قال حى على قتل أخيك المسلم .. قلت لا "
واستمر رضى الله عنه فى عزلته ..
ومضت الأقدار بسيرها المعروف .. وعمر عبد الله بن عمر طويلا .. وحضر خلافة معاوية رضى الله عنه .. وأيضا ولاية ولده يزيد .. وبعد مقتل يزيد .. واعتزال ابنه معاوية الثانى للحكم فى واقعة مشهورة اعتذر فيها هذا الفتى الصالح عن أعمال أبيه .. ودعا الى اختيار خليفة غيره ..
وقامت الفتنة وحرب الحكم مرة أخرى ..
وجاء فى هذه الأثناء .. مروان بن الحكم .. سر أزمة عثمان رضى الله عنه ..
جاء الى عبد الله بن عمر رضى الله عنه .. داعيا اليه للخلافة قائلا
" أنت سيد العرب .. وابن سيدها .. فامدد لك نبايع لك .. "
فقال له عبد الله بن عمر " وماذا تفعل مع أهل الشام .؟"
فقال مروان " نضربهم .. حتى يبايعوا .."
فقال له عبد الله " ما كنت بعد هذه السن .. لأترك نفسي وأكون سببا فى اسالة دم مسلم واحد لأجل الامارة .."
ورفض رفضا قاطعا ..
على الرغم من أنه كان آخر العظماء فى عصره بذلك الوقت ..
وجلس معتكفا كما كان ..
وتأمل حال دولة الاسلام بعد تفجر الصراع مرة أخرى ..
ونزلت من عينه دمعة حسرة مؤلمة .. فتركها تنساب حرة .. وهو يتمتم متألما ....
" ما أرانى آسي على شيء قط فاتنى فى حياتى .. الا أننى لم أقاتل مع على الفئة الباغية "
فى اعتراف صريح أنه لم يكن يتوقع أن يؤول الأمر الى ما آل اليه ..
فرضى الله عنك يأ بن عمر ..
ورحم الله زمانك .. يا سيدى ..
التعبير الرابع عشر ..
" يا ليتنى .. قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم .."
القائل ..
" عبد الله بن عمرو بن العاص " رضى الله عنهما
الموقف ..
وهذا الموقف .. دليل آخر من دلائل العظمة ..
عظمة الاسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم .. وعظمة رجاله الأوائل ..
كان عبد الله بن عمرو بن العاص .. رضى الله عنهما .. علما فريدا فى العبادة .. وقد سبق أباه الى الاسلام ..
كان واحدا من الأفذاذ الكبار .. رضوان الله عليهم ..
وكما سبق القول ..
كان رضى الله عنه .. متميزا فى العبادة فى ليله ونهاره .. قياما وصياما وتصدقا .. على النحو الذى أثار شفقة أبيه عليه .. وخشيته من تشدده البالغ فى عبادته ..
فحاول أن يخفف من هذه الشدة .. فلم يفلح معه ..
فرفع الأمر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم .. فاستدعى عبد الله بن عمرو .. وناقشه صلى الله عليه وسلم وطلب اليه التخفيف .. فتمنع عبد الله قليلا ..
فتبسم الرسول صلى الله عليه وسلم برفقه المعهود .. وأخبره أن ذلك لصالحه .. لأنه ـ ومع تقدم السن به ـ سيجد نفسه مضطرا الى التخفيف مع تأثير الشيخوخة والهرم ..
وعلى الرغم من ذلك ظل عبد الله رضى الله عنه .. مستمرا فى برنامج عبادته القاسي .. ولم يترك لنفسه أو لجسده نصيبا ..
ويمر الزمن بعبد الله بن عمرو العاص ..
ويبلغ الهرم ..
وتخونه قدرته على الالتزام الذى درج عليه فى أيام صباه وشبابه ..
فيجلس الى نفسه قليلا ويتأمل حاله .. ويبتسم .. ويصلى على أستاذه صلى الله عليه وسلم .. ويقر بينه وبين نفسه بمدى صدق رسول الله فيما نصح به صلى الله عليه وسلم ..
ويهمس قائلا ..
" يا ليتنى .. قبلت رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم "
أرأيتم بلاغة الدرس ..
فعلى الرغم من أن عبادة عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه لم تكن تشددا مريضا فى الدين .. أو تطرفا .. الا أن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يعطيه الدرس الذى ينبغى أن يدركه كل مسلم فى دينه ..
ألا وهو أن الاسلام دين الوسطية الحقة ..
دين دعوة ألا تفريط ولا افراط ..
دين الله الخاتم .. والذى ينبذ كل تطرف فى أى مجال حتى ولو كان فى الصالح ..
فان الله تعالى من رفقه بعباده .. يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى أوامره ونواهيه فى تناسق بديع لم يرد لرسالة من قبل ..
فسبحانه جل وعلى ..
وما أعظمه من خالق .. سبقت رحمته .. غضبه ..
هو العاطى بغير حساب ..
نسأله الفضل والمن والمغفرة .. ونتمنى أن نكون أهلا لها .. بتذللنا اليه وتقربنا مما يرضيه
وصلى الله على باعث الدعوة ونبراسها صلاة دائمة تؤم المسلمين فى عهد جديد .. طال انتظاره
التعبير الخامس عشر
" والله لو حاربونا وهزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر .. لأيقنت أننا على الحق وهم على الباطل "
القائل
" عمار بن ياسر " رضي الله عنهما ..
الموقف
وما زلنا مع هذه السير العطرة التى تحيي بداخلنا ما مات من عصر الاسلام الأول .. بكل طهارته ونقائه
بكل عفته وبهائه .. بكل مواقفه وتعبيراته التى صارت مثلا ..
نعم صارت مثلا .. ولكن أين المتعظون من ذوى العقول ..
واللقاء هذه المرة مع أحد أعلام الصحابة ونجومه الكبار ..
عمار بن ياسر .. رضي الله عنهما ..
وهو الغنى عن التعريف هو وعائلته التى ضربت أروع أمثلة التضحيات الحرة فى التاريخ الاسلامى
ذلك الذى قال فيه رسول الله عليه الصلاة والسلام
" ان عمار جلدة بين عينى وأنفى "
هو التقي الورع .. الفارس المقدام .. الفقيه المفكر ..
هو عالم من العظماء أذيبوا فى جسد واحد والله .. رضي الله عنه وأرضاه ..
وهناك الكثير من المواقف والأحاديث النبوية الشريفة التى اتخذت عمارا موضوعا لكلماتها ..
بيد أن أخطرها وأهمها على الاطلاق ..
تلك النبوءة التى وردت على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام .. عندما شرع المهاجرون والأنصار فى بناء المسجد الأول فى المدينة المنورة .. حيث كان عمار رضي الله عنه بين رفاقه رضي الله عنهم يتشاركون فى البناء والتشييد وكلهم حبور وتفاؤل ..
وفجأة ..
وبينما عمار يحاول بمعوله هدم أحد الجدر القديمة التى تعترض بناء المسجد .. هوى الجدار بكل أحجاره فوق رأسه .. ففزع الصحابة جميعا وهرعوا الى موضع الانهيار .. ومن خلال المشهد المروع أيقن الصحابة بهلاك عمار .. وحمل البعض الخبر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم أسف وأسي ..
فاذا برسول الله عليه الصلاة والسلام يواجههم بوجه باسم مطمئن .. ويقول ..
" لا .. ما مات عمار .. تقتل عمارا الفئة الباغية "
وبالفعل نجا عمار من الموت تحت الجدار .. وذهبت روعة الحدث وبقيت استطرادة الرسول التى أثارت الصحابة حول مصير عمار .. وتساءلوا عن تلك الفئة الباغية التى ستقتل عمارا ..
وتمر السنون بأحداثها ..
حتى تفجرت الفتنة الكبري .. اثر استشهاد الخليفة الراشد العظيم عثمان بن عفان رضي الله عنه .. ويخرج الامام الطاهر على بن أبي طالب رضي الله عنه لانقاذ الشرعية من أطماع الحكم بالتستر خلف دم عثمان ..
وكما تقدم انقسم الصحابة بين معتزل للفتنة .. وبين مؤيد للامام على وهم كثر وبين منضم لمعاوية وهم قلة ..
ولئن الرسول عليه الصلاة والسلام قال فى حديث شريف ..
" اقتدوا بالذين من بعدى أبي بكر وعمر .. واهتدوا بهدى عمار "
لذلك ترقب الناس عمارا الى أى الفريقين يتجه هديه ..,
ولأن الأمر لا يقبل التخمين مع لسان صدق كلسان عمار رضي الله عنه .. فقد اتخذ جانب الحق الى جوار الامام على رضوان الله عليه .. ووقف يحفز الناس قبل الخروج الى صفين للقاء معاويه رضي الله عنه .. وقال فيما قال ..
" هلموا بنا نخرج الى الذين يدعون أنهم يطلبون ثأر عثمان .. فوالله ما طلبهم دم عثمان ولكنهم استمرؤا أسرة الملك وعجزوا عن مفارقتها .. "
ثم رفع سيفه ورايته هاتفا فى قوة وايمان..
"والله لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .. واليوم ها أنذا أقاتل بها .. "
ثم قال تعبيره الخالد
" والله لو قاتلونا وهزمونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر .. لأيقنت أننا على الحق وهم على الباطل "
هذا التعبير الذى خلدته ذاكرة التاريخ لتعلم الناس من بعد هذه الزمرة الصالحة .. كيف يكون الاصرار على الحق والدفاع عنه الى آخر رمق بغض النظر عن دعوة الباطل بغض النظر عن كثرة مناصري الباطل وجمعهم .. فالحق حق ولو أنكره المنكرون .. والعيب ليس فى الحق بل فى منكريه ..
هذا ما ينبغي علينا ادراكه ..
أن نعرف الحق ثم نعرف رجاله .. لا أن نتحيز للرجال ثم نسعي لاكتشاف الحق بعد ذلك
فالحق عزيز بذاته .. وصفاته .. والباطل عزيز بكثرته .. بيد أنها عزة لا شك فى زوالها ..
غاية الأمر هو الوصول الى النقاء الايمانى والعلم الصحيح للوصول الى الحق ..
وبعدها نتمسك به مهما تكالبت الحوادث ..
ومهما كانت أمواج الباطل عاتية .. فلا شك أن الحق الذى اكتسب جلاله من الله سبحانه وتعالى .. لا شك فى وجوب التمسك به ..
فقط .. لو أننا توصلنا الى الضمير اليقظ والعلم الذى يؤهلنا لاكتساب الحق فى كل موضع هو فيه ..
هكذا كان عمار .. وهكذا كان صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم .. هذا هو عمار ,,
الذى خاض المعركة وعمره فى ذلك الوقت يربو على السبعين عاما ..
لكنه كان كشاب فى مطلع العمر بحماسته الفائقة وجلده وعزمه على القتال ..
واندفع يغنى وينشد وهو يضرب بسيفه ..
لقد ضربناكم على تأويله ×× واليوم نضربكم على تأويله ..
ثم يندفع قائلا .. ومهللا ..
" اليوم ألقي الأحبة .. محمد وصحبه "
وعلى الجانب الآخر
تحاشي جانب معاوية رضي اللع عنه المساس بعمار على الرغم من حماسته فى القتال مخافة أن تلتصق بهم الى الأبد صفة الفئة الباغية ..
بيد أن قدرة الفارس كانت فوق كل تصور ..
فطاله القدر الذى سعى اليه .. واستشهد البطل الفذ ..
سقط شهيدا .. لترتفع راية الحق عاليا ..
ليدرك المنصفون ..
التعبير السادس عشر
" لقد شهدت كذا وكذا زحفا .. وليس من موضع فى جسدى الا وفيه طعنه رمح أو ضربة سيف أو رمية سهم .. وها أنذا أموت فى فراشي كما يموت البعير .. فلا نامت أعين الجبناء "
القائل ..
سيف الله ,, خالد بن الوليد رضي الله عنه
الموقف ,,
هو أبو سليمان الفارس الأشهر .. سيف الله المسلول .. والذى اكتسب لقبه هذا فى حديث رسول الله عند غزوة مؤته ..
عقب استشهاد القواد الثلاثة للزحف فى هذه الغزوة وهم عبد الله بن رواحة وجعفر بن أبي طالب وزيد بن حارثة ..
فأخذ خالد اللواء وقاد المسلمين الى النجاة ..
قال هذا التعبير الخالد .. وهو على فراشه فى لحظاته الأخيرة .. فقد توفي رضي الله عنه على فراشه .. وكانت هذه لنهاية غير متوقعة بالنسبة له بعد طول عهد بالمعارك والحروب ... خاضها كلها وانتصر فيها بفضل ربه .. لم يهزم قط وكان فى حياته يوقن أن نهايته فى ميدان الجهاد شهيدا مجيدا .. لكنه توفي على الفراش .. وقال هذه الكلمات المريرة أسفا على الموت فى الفراش ..
فأى شجاعة وأى اقدام وأى بسالة .. رضي الله عنه
عاش مجيدا ومات شهيدا .. فكما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما معناه.. " ما من أحد يسأل الله الشهادة بصدق الا بلغها له ولو مات على فراشه "
صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
من هى الفئة الباغية ..